20 أغسطس، 2009

انت الحكم على سيرة حاكم !

لنفترض ان القصة التالية وجدت منحوتة على قبر في برية من براري العالم العربي :

" ملكت ناصية القدرة، وحكمت كائنات الله الحية،
وخضعت لارادتي مصائرهم، فلم يطالبني بشيء احداً منهم،
خرست السنتهم امامي، وعجزت قدرتهم عن ايذائي،
ومضيت الى آخرتي اسأل :
هل حكمت بالعدل ؟ هل حكمت بالعدل ؟.
ياعابر قبري، اقرأ سيرتي واحكم ...

- بنيت لرعيتي بيدي، ومساعدة القادر منهم، مساكن تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء.
- وبنيت لهم سوراً يقيهم بطش الاعداء.
-ودربت منهم جنوداً، يدفعون عنهم اذى الطامعين.
- ووفرت لهم الغذاء، وخزنت منه مايكفيهم لشهور تحسباً لاي طاريء.
- واقمت مساكنهم قرب غدير ماء، حميت منبعه من التلويث والمنع، ومصبه من الفيضان والفساد، وممراته من الهدر والتخريب.
- وزوجت القادر منهم، فور ظهور قدرته. واشرفت على تأسيس اسرته، من الحمل حتى الولادة.
- وفرت لرعيتي العناية الطبية، من الوقاية الى العلاج .
- جبيت من انتاجهم مالا يؤذي رأسمالهم، وصرفته فيما يفيدني ويفيدهم، وادخرت منه مايكفى لتوسيع مساكنهم وزيادة اعدادهم .
- عاقبت المسيء بضربة عصى خفيفة ورمية حجر منذرة، ولم ينالهم مني اذى هدفه التشفي او التجبر، ولم اقتل منهم الا من كان قتله رحمة له او حياة لمجتمعه ... خاضعاُ في ذلك لشريعة مكتوبة وعرف سار عليه الناس منذ آدم عليه السلام.
- لم يبت تحت حكمي جائع .
- لم ينام في العراء تحت ولايتي احد ... الا من اختار ذلك .
- لم يفتقد مريض لدواء او عناية طبية عند حاجته لهما ، ولم يدفع مقابلهما الا ماسبق له دفعه من خدمة لمجتمعه.
- لم يروع رعيتي غازي، ولم يفتك بهم ضاري.

انا الراحل الى رحمة الله اسألك :
هل حكمت رعيتي بالعدل ؟!.
-
-
-
-
-
-
-
-
-
-

ملاحظة : هذه سيرة صاحب مزرعة للحيوانات... عاش قبل ولادة السيد المسيح (ع) بمائة عام .

14 أغسطس، 2009

المقاومــون يســتعدون لأكثــر مــن ردع العــدوان !

I موعد لمن يشبه توما: يرى بإصبعه

السفير/نصري الصايغ

قلت لها: هل يسمح لي بأن أعيش فترة من الزمن، مع المقاتلين في الجنوب، فأتعرف إليهم كبشر حقيقيين، كأناس ينتمون إلينا وننتمي إليهم؟ وانتظرت الجواب أياماً واسابيع، ما بين الخامس والعشرين من أيار وبداية شهر تموز. كدت أنسى الطلب، ولم تغب عني الرغبة، ظلت تلح عليَّ: «يجب ان تعيش معهم كي تعرفهم. يجب ان تنام معهم وبينهم في أماكن اقاماتهم المجهولة. عليك ان تتوقل معهم الأماكن الصعبة. لا بأس ببعض التعب. ارادتي ستتغلب على عمري الستيني، ووزني التسعيني. لقد علمك توما الرسول ان تضع اصبعك في جرح المسيح، كي تصدق. ودرست على أندريه جيد: لا يفيدني ان تقولوا لي ان رمال الشاطئ ساخنة، عليَّ ان أتحسسها بباطن قدمي».
انتظرت الجواب حتى جاءني الرسول: «حَدِّدْ موعداً. الشباب ناطرينك»، فاستحققتها. الرغبات لا تشبه الامكانات، والانفعالات لا تتوازى مع تحضير النفس، لمشقة الانتقال من راحة البيت، والمكتب المكيَّف، الى جبال ووديان وأماكن... طلب مني ان أراها بعينين مغمضتين. أي: انظرْ وانسَ. ما رأيته هنا، دفن هنا.
في الموعد المحدد، كنت في طريقي الى الجنوب: لا عنوان. لا أشخاص. فقط موعد اللقاء واضح. وما تبقى: «على الاخوان». هم سيتعرفون إليَّ، وسيرشدونني إلى حيث «متعة المشقات النبيلة».

II لا أعرف أحداً: رجال بلا أسماء

عرفاني عندما شاهداني أتمشى في باحة. سلامات وكلمات قليلة، وبسرعة هادئة، انتقلت معهما الى حيث يريدان. كلام قليل. ابتسامات غير مفرطة، وطرق عادية تؤدي الى منزل غير مستقر. نترجل وندخل. نسلم على الاخوان في المنزل ونقتعد الأرض.

حتى الآن، لا كلام. لا أعرف من هما. هل هما مرافقان لي اوصلاني الى مكان الانطلاق؟ كيف أتعرف اليهما؟ الاسماء ممنوعة من التداول، فاخترعت اسمين حقيقيين لهما، وهما من تراث البلد هناك: هذا «الحج» والآخر «سيد». وهكذا سارت الأمور حتى اليوم الأخير: يا حج! يا سيد! ويا أستاذ.
طريقة للتعارف كي لا تعرف شيئاً عنهما.

امتدت سفرة الترويقة أرضاً. امتحان صعب على من اعتاد تناول الطعام جلوساً منضبطاً على كرسي. حاولت الاقتراب من صحن اللبنة، ففشلت. كدت أقع على جنبي. اشتلقا عليَّ: صحن خاص للأستاذ. وسارت الترويقة مسراها غير الطبيعي، مع الشاي. ومن خلال توافد «الاخوان» من مهماتهم، عرفت انني بصحبة مسؤولين. طريقة المخاطبة، وكيفية الاستماع، ارشدتاني الى انني استطيع فتح باب الأسئلة:

ـ إلى أين؟

ابتسمنا جميعاً، لما لـ«إلى أين» من وقع خاص، فهي ماركة مسجلة في السياسة، أكثر مما هي دلالة في الجغرافيا. نهضنا: لا خلوي. لا كاميرا. لا آلة تسجل، ولا... لكن أين اضع ثيابي الداخلية وأوراقي. وُضعت في سيارة وانتقلنا بسيارة أخرى. لعلها من ذوات الدفع الرباعي. لفتني توزيع ثلاث قبعات سوداء جداً جداً، وثلاث نظارات سوداء بشدة. أشرت الى قبعتي «مشغرة قلب القمر»، ابتسما وقالا: سنحتاج الى هذه.

لا شرح. الاقتضاب هو الجواب.

قلت في نفسي: استفهم بعينيك، لا بلسانك. انظر. راقب. تطلع. بقبش. وكِّد. لاحظ. ارصد. واتكل على حدس الاستنتاج، لأن اللغة حتى الآن ممتنعة.

III القط الأعمى

من دون ان تتوقف السيارة، اشار اليَّ «السيد» الى مكان على منعطف: هنا تلة مسعود. السيارة تمضي مسرعة. لم يتح لي ان ارى لا تلة ولا مسعوداً. قلت في نفسي: حتى الرؤية غير ممكنة؟ تململت من مكاني وسألت: وماذا في تلة مسعود؟ قال: اشتباك مع وحدة استخبارات من قوة ميغران. قام الشهيد «الدوري» بتطهير البيت. جاءه الأمر، وهو القادم من حولا سيراً على الأقدام، كي يقاتل في بنت جبيل. واستطاع «الدوري» ان يطهر البيت، ويقتل من فيه. وقد كانت القوة المرابطة من فريق الاستخبارات.

عرفت أهمية تلة مسعود، عندما اشرفنا عليها من بعيد ومن فوق. كانت بوابة الدخول للمدرعات، ولما سقطت تلة مسعود، اغار الطيران الإسرائيلي عليها، ودمر المنزل بما فيه من أجهزة الكترونية متطورة.

قلت في نفسي: معركة لا تروي غليلاً. فهذا قليل هام، من كثير عظيم الأهمية، الى حد الأسطورة، انما، كيف أصل إليه؟

وبعد لف ودوران، بين طرقات اسفلتية طبيعية، وطرقات شبه اسفلتية، لا يسلكها الا «الاخوان»، ومعابر ضيقة، وطرقات من حجر وغبار، مسيجة احيانا بكثير من الاغصان المتدلية والاشواك الحشرية، طلب مني «السيد» ان أضع القبعة والنظارات السود، فقد بتنا على بعد امتار قليلة من مواقع الإسرائيليين المواجهة على طول الخط الأزرق.

ولأني ألبس نظارات طبية، فيها درجات حرزانة من «الميوبي» و«البريزبيسي»، و«الستيكماسي»، فقد قلَّت الرؤية، وصرت شبيها «بالبسين الأعمى». بالكاد أرى قدامي وحولي.

وبدأ «الحج» من الخلف يشرح و«السيد» يضيف. «الطاقية السوداء الكبيري والعوينات كي لا يعرفونا». هناك آلات تصوير: انظر الى هذا العمود. عين الكاميرا في رأسها. العمود بعيد جداً. انه على تلة داخل الأراضي المحتلة. أكد لي: صورتك الآن بهذا الشكل موجودة عندهم. صوروك وخلص. لكنهم لن يعرفوك. بسبب «الطاقية والعوينات السود».

فهمت وشكرت وصرت أترقب لحظة استطيع فيها ان اضع نظارتي الطبية لأرى، وبدأ الشرح:

IV العدو من أمامكم... ولا نخاف

هنا، نحن متواجدون على الخطوط الأمامية، حيث جرت أولى معارك حرب تموز. وبدأ يشير بيده الى المواقع القريبة والبعيدة. هنا، كان الاخوان، هذه مواقع كنا نرصد فيها العدو، اربعاً وعشرين ساعة على اربع وعشرين. نراهم بكامل تفاصيل تحركاتهم (قلت في نفسي: مبالغة! كيف يراقبون الإسرائيليين ليلاً. مش معقول).

نزلنا من السيارة. أحكمنا قبعاتنا الى الأمام. لم تعد الكاميرا تلتقط أي فسحة من وجوهنا.

هنا هرمون والتيارات. من هذا المكان موقع إسرائيلي متقدم، يشرف على عديد من القرى اللبنانية. وهو مجهز بكاميرات مراقبة دائمة. وهناك، ثكنة دوفيف (لأول مرة أرى ثكنة عسكرية لعدو)، وهذه الثكنة مقر لقيادة السرية من جهة منطقة هرمون لجهة الصدح. وتضم الثكنة ملالات وبوما (مدرعا) وناقلات جند.

وأشار الى جهة الغرب: سنقترب منها بعد حين. سنصل الى التخوم الملاصقة لبوابات العبور. نظرت من حولي، فدهشت. «ولا عرق اخضر» هنا. والثكنة هناك، ابنية مرصوصة، وفسحات واسعة، وأشجار باسقة، وطرقات ملتوية ومستقيمة، بعضها يبدأ من الناقورة ليصل الى بلدة سعسع، فيما الطرف اللبناني، غارق في سحنة من رمل وقبضات من صخور وأودية يكثر فيها الشوك وغبار الأيام المتروكة.

أعطيت ملاحظة للأخوين حول فداحة المنظر، الجواب مختصر: اسأل الدولة. تقدمنا الى مكان آخر. اقتربنا أكثر من الكاميرا. باتت فوقنا تقريباً. حاول «السيد» التقدم بضعة أمتار. نصحه «الحج»: «بلاها، هلق مناكل رشق. بلاها». عدنا ادراجنا، وتوقلنا الجبال. رحلة في ارض معلومة بتفاصيلها من قبلهما: «هنا امضينا عمراً. نحب هذا المكان» (قلت في نفسي: ما هذا المكان. ارض حفرا نفرا وخلفها تلال وأودية جرداء).

من بعيد، اشار لي الى موقع وثكنة زرعيت، وهي لجهة الغرب، وتضم كتيبة للدروز. وهي تمتد بفعل مسؤوليتها الى منطقة العرامشة (مستعمرة) والى منطقة هرمون. وفي المكان الذي اشرت اليه باصبعي قال: هذه ثكنة برانيت، مقر قيادة الفرقة الشمالية، قبل التحرير. وهو موقع لسرية عسكرية مؤللة تمتد من رميش لجهة تل شعر. وبعد قليل، وصلت الى جدار رميش. المنطقة، عن جد «حفرا نفرا»، نبت فيها العشب المجنون من كل جهة. قال الحج: «هنا كان يتم تجنيد العملاء. هنا طريق التهريب... وهنا كل الشرور أيضاً».

سألته: ماذا كان نصيب هذه المواقع في عدوان تموز؟

قال: قصفت بالكامل. انصبت عليها الصواريخ أكثر من مرة.

قلت: لكنها محصنة. الجنود لديهم حماية داخل مواقعهم. قد لا يتعرضون لأذى.

قال: الحرب ليست دائماً لقتل الجنود. هي لتعطيل فعاليتهم وقدراتهم القتالية.

فهمت وخرست. أنا مشغول بعدد القتلى، وهو منشغل بتعطيل آلة الحرب او عطبها او تأخير ديناميتها. هو يفهم بفن القتال. وأنا من قبيلة الثأر. خجلت.
الملاحظ، أننا كلما كنا نتوغل في الطرق الوعرة ونقترب من خطوط العدو، كانت تلحق بنا قوات الطوارئ الدولية. سلام ولا كلام. وأحيانا كانت دوريات الجيش اللبناني تراقبنا من بعيد، واذا وصلنا إلى حيث الخطر، جاؤوا الينا. وهنا: سلام وكلام ويعطيكم العافية يا شباب.

ولدى صعودنا الى موقع مواجه، راح الاثنان يتذكران ماضيهما هناك. هذا شهور وهذا سنوات، الى ان اشار «السيد» بيده الى غابة صغيرة: هنا توقف رتل الدبابات الإسرائيلية ولم يستطع التقدم. شرح لي اكثر: كان على المقاتلين ان ينتظروا دخول الرتل الى مكان محدد، ويصلون المقدمة صليات مباشرة.

وعندها، توقف الرتل. جبناء. دباباتهم أجرأ منهم. هي مجهزة بحصانة، أما هم فكانوا يتوقفون، طلباً للامداد الجوي، ويعودون ادراجهم. مرات عديدة توغلوا وتراجعوا. و«الله، لو رأوا أمامهم اشارة ممنوع المرور لتوقفوا», نكتة! ، لكنها ذات مدلول. الآلة متفوقة، أما الجندي الإسرائيلي ففي حالة قتالية بائسة.

V هنا نهض الابن من موته بصوته...

هنا دافع الأميركي عن يارون

السيارة تعود الى قلب يارون. بلدة يعاد بناؤها بعد التدمير الذي طالها. يارون، بلدة مقاومة. في نداء، رفيق علي أحمد، يذكر الممثل بصوته البالغ القسوة والحنان بنت جبيل وعيتا ومارون الراس وعيترون. هناك، تبدأ الحكايات. ندخل بيتا. انه الظهر وأكثر قليلاً. البيت لمسؤول في البلدة. يعرفني ولا يثق بي.

يسألهم «بالوما». أخيراً يقول لهم بصوت مرتفع: «شو، بحكي؟». الجواب: «خود راحتك يا حج». قلت: صاروا حجين وسيد، ولا أسماء.

أنا أكبر منه عمراً، ولما سألته قلت له يا عم: «ابتسم. فأنا العم وهو الشاب». لم نتوقف عند هذا الإشكال المسلِّي، لأن وجبة الطعام الإلزامية حضرت.

كبسنا بكبسة طيبة المذاق، ثم حضر الشاي وما فاضت به ذاكرة الأوجاع. ولما تمنعت عن تناول الطعام، خوفاً من إلحاح النعاس، تمنع رفيقاي. حُرِما من لذة الكبسة. وكان الوقت وقت غذاء. عوضوا عن المائدة الكريمة بأن فرشوا للصلاة مائدة جانبية، وتناولوا فيها كلام الله.

«أنا وابني على طول في الحرب. هو في مكان وأنا في مطرح ثاني. ابني عريس، وعروسه وحدها. ابي نصف مشلول في بيته لم اتمكن من زيارته او عيادته. ولأن الاخوان يعرفون مدى تعلقي بأبي، نصحوني بألا اعوده كي لا أضعف (قلت: يعرفون البسيكولوجي أيضا). ابني يتلقى الأوامر مني: تقدم فيتقدم. هو على الجبهة وأنا من بعيد قريب.

القصف يقترب. التلال التي حولنا، حوَّلها القصف الإسرائيلي الى منصات قاتلة. البيوت تنهار. تتقدم جرافتان وحولهما جنود إسرائيليون، ابتعدتا حوالى 800 متر عن السياج. قذيفة مدفع تصيب الجرافة. يهرولون ويهربون ويعودون الى خلف السياج، ويتركون الجرافتين في أرضهما.

دُمرت بيوت كثيرة في يارون. وللمفارقة، أول بيت دمر، لم يقبض حتى الآن الدفعة الأولى (قلت: ملَّلا دولة). لا تعليقمن الاخوان.

حتى الآن، كان الكلام عن معارك ماضية، لا يشكل مادة تُحس. والمعارك عادة، بعد حصولها، تصير كلاماً او صوراً. والحالتان لا ترضيان شغف النفس، ولا ترضيان توما، الذي أشبهه وأتكنى باسمه.

لم يشأ «العم» ان يتحدث عن نفسه. فحدثني الحج قال: كان ابنه، وسماه باسمه: في تجمع مطل على واد، يتوقع ان يكون ممراً للدبابات الإسرائيلية. اتصل بالجهاز وأعلم القيادة بتقدم الدبابات، وانهال القصف على التجمع. دُمر بيتا بيتا، طابقاً طابقاً، و«الابن» ينتقل، مع آلة الرماية من غرفة الى غرفة وينجو.

أخيراً لم يبق له الا خزان الماء. فالتجأ اليه. أمروه باخلاء الموقع. رفض. هو يقبل الاوامر التي تقول له تقدم. لا يقبل الأوامر التي تأمره بالتراجع. لم يتراجع، بل تطوع وراح يصلي رتل الدبابات صليات صاروخية... ونجا. ولما عاد، بعد الحرب، لم أعرفه.

قاطعنا الأب وقال: ابني كغيره من الشباب. وراح يحدثني عن الحاج رضوان صالح وابنته ريما. هذا شاب أمضى جزءاً من حياته في الولايات المتحدة الأميركية، لما عاد من كاليفورنيا في الـ97، التحق بالمقاومة، واستقر هنا في يارون. وإبان العدوان ظل يقاتل حتى استشهد في المعركة. وقد دفن هنا.
قلت: هل كنت تعرف اخبار ابنك.

اسمع يا أستاذ: ذات مرة، كنت احكي معه على الجهاز. وفجأة انقطع صوته. طلع قلبي من صدري، ما عدت شوف قدامي. أنا مسؤول عن غيره مثلما انا مسؤول عن ابني. بس هيدا ابني. شكّيت. يمكن يكون استشهد. وكانت أمه تتصل لتسمع صوته، ولما لم تعد تسمع: صرخت العروس وأمها: استشهد يا أمي استشهد. مات. واقتنعت زوجتي بأن ابنها مات. حاولتُ طمأنتها، فلم أفلح. بعد وقت. اتصل بي ابني، وطلبت منه ان يُسمع امه صوته. ولما سمعت الأم صوت ابنها، قام من بين الأموات.

طلبتُ ان أرى ابن العم. فدخل علينا: «يا الهي! أي رجل هذا الرجل. شاب اشقر اللون، عريض المنكبين، منخفض الرأس، حائر في تواضعه. ينظر إليَّ ويبتسم من طرف عينيه. ثم يحني رأسه كأنه يريد ان يختفي. لم يتفوه بكلمة. وقفنا جميعاً. صافحناه. صافحنا كأنه يقوم بعمل بروتوكولي. لم يُشعرنا بأنه مهم، او هو شجاع. تظن انه كان يعمل على الكمبيوتر، ويقوم بعمله، وقد عطلنا علينا فترة نشاطه.

قلت، تحداه قليلاً: «أنا عندي نذر. اريد ان أرى القدس قبل موتي». نظر إليّ. ابتسم ولم يقل إلا كلمة واحدة واثقة. «ان شاء الله» كررها مرتين. صدّقته واقتربت منه وعانقته. لأول مرة أعانق جبلاً. لأول مرة أحدِّق متخليا عن توما.

VI وهنا داس جواد «الدمشقي» رأس الضابط الإسرائيلي

حدثني الحج خضر، واسمه صار مسموحا التداول به، كان يأمر ابنه اثناء القتال، وعليه ان يؤمن الطعام للجرحى. كان أحدهم قد اصيب اصابة بالغة في حنكه. منعت عنه المرآة كي لا يرى وجهه. ينزف وجهه ببطء. لا دواء. لا طبيب. لا قدرة على نقله الى اقرب مستوصف. وبعد أيام، بدأت الديدان تأكل لحمه وتنهشه، والعذاب يفوق التصوّر. «كنا نداويه ببنج كذاب. نقول له هذا بنج ونخدره وينام. ولم يكن في الابرة سوى ماء»... وبهذه العناية البدائية، استمر حتى نقل الى المستشفى بعد أيام، ولما شفي قرر أن يعود إلى الجبهة... فلم.

لا يتوقف الحج خضر عن الكلام: من أين كان يأتي بالطعام؟ «طيب. نحن مجهزون بالاجبان. بالمعلبات، لكن، من اين الخبز؟ من اين كل شيء تقريبا؟ كنا نتسلل الى البيوت المدمرة، الى الدكاكين الصامدة، ونأخذ منها حاجاتنا، ويترك «الاخوان» ورقة كتب عليها، «راجعوا الحج خضر... لقد استعملنا كذا. اخذنا كذا...». وذات يوم اشتد فيه القصف، لجأ الحج خضر الى مكان «لقيادة العمليات»، وإذ بالقصف يشتد. لا صوت يعلو فوق صوت القصف. دمار في كل مكان. اضطر البعض الى ان يدخل بيوت المسيحيين للحماية ولاستعمال بعض الاغراض. تركوا ورقة: «راجعوا الحج خضر»، فيما كانت سيارة الحج قد احتلت طوابق احدى البنايات المرتفعة. الصاروخ حفر حفرة، ونقل السيارة الى الطوابق العليا.

بعد انتهاء العمليات جاءته سيدة مسيحية: «ولو يا حاج خضر. مش عيب تعاملوني هيك! شو أنا غريبي عن يارون؟ كيف بتعملوا هيك وبتكتبولي هالورقة. أنا بيتي يا حج خضر صار مقدس بقدوم شبابكم. عرق شبابكم مي مقدس عنا».

علق الحج: أخرستني امرأة بتعاطفها. هل نستحق كل هذا الشكر؟

ماذا بعد؟

قال الشباب: أتعبنا الحج خضر، ونهضنا الى قلب الإعصار، مروراً بمارون الراس. إلا ان «السيد» رأى ان ينقلني الى «فترة سماح». فأزارني منطقة مطلة على اجمل بقاع فلسطين المحتلة، وعلى التلة نشأ مشروع ترفيهي للكبار والصغار ولأهل المنطقة. استراحة تمتد على 25 هكتارا تقوم على تأهيلها هيئة ايرانية. استحسنت المشروع وحزنت. ايران قادمة من بلاد فارس الى لبنان، لتشجير تلة واقامة منتزه. ودولتنا، قابعة في بيروت وضواحيها من المدن القريبة، تهتم بالاسفلت على طوابق فوق بعضها البعض في العاصمة، وعلى ارصفة ينتزع بلاطها ليصف عوضا عنه. بلاط لا يسير عليه الا قلة ممن لا يقتنون السيارات.

(هذه فاصلة اعتراضية ضرورية...)

سألنا الشباب عن المشروع: قالوا: يفتتح قريباً. خير الكلام عنه ان تزوره وتجلس في جنباته المطلة على فلسطين بصيغة العودة اليها... ولو بعد الممات.
الى مارون الراس، والظهيرة تلفح بشمسها الزوايا والتكايا. لا أحد تقريباً في الطرقات. الناس دلفوا الى منازلهم ليتقوا حرارة تموز. ونترجل من السيارة: «هنا تسلل الجنود الإسرائيليون وأقاموا في هذا البيت. يخرج الينا صاحب البيت. يسلّم. يعرف الشباب. يرحب بي. يعرف بيته صار مزاراً. يعزمنا للدخول. يمتنع الشباب ونكمل الرواية: «لما جاء الأمر بتطهير المكان، وهو في قلب مارون الراس، وعلى تلة فيها، تقدم جواد الدمشقي من درج المنزل. فتح الباب وخرج ضابط إسرائيلي فصرعه على الفور، وداس رأسه. وعلى الجهاز قال للمسؤول: رجلي فوق رأس الضابط الإسرائيلي. جاءه الجواب: طهر البيت بكامله. العدو حولك من جهات ثلاث: في هذه الاثناء كان الجنود الإسرائيليون قد اختبأوا داخل الغرف وبعضهم داخل الحمام. وفيما رفاق جواد، يقتحمون البيت من الخلف، ويتصيدون الجنود الصهاينة، اخترقت رصاصة من بعيد جواد، فاستشهد.

VII دعني أقبل يديك الطاهرتين

«يللا يا اخوان. اسرعوا. الإسرائيليون سيقصفون الجسور قبل وصولنا. كنت في طريقي من بيروت الى الجنوب عندما علمت بعملية أسر الجنديين الإسرائيليين، وقتل عدد من القافلة. هكذا بدأ الحج فادي حديثه. استدعي من بيروت لاستعادة المعركة العسكرية معي.

«كنت عائداً الى الخدمة المتوجبة عليّ». ولما وصلت الى مركزي المقرر، كانت العمليات العسكرية قد بدأت. يتصل بي مسؤول العمليات ويبلغني ان انتقل الى موقع جبل الباط... تغيّرت المهمات وبات علينا، ان نكون في المواجهة المباشرة. تقريبا، على الخط الأزرق. كنا نراقب بدقة. وفي اليوم التالي بدأت الرماية مباشرة على جل الدير. العدو بصدد عبور الحدود. قصف وغارات لا تتوقف.

ليل الثلاثاء، قمنا كالعادة، بتلاوة دعاء التوسل. قرأناه مع الأخوان، وكنا اربعة. وعند الصباح، ومع تبديل الحرس، سمعت صوتا قريبا: «العدو يحيط بنا. انهم هنا. لقد تسللوا من خلال غابة صغيرة». اقتربوا اكثر وفجأة سمع صوت انفجار قوي. أُلقيَتْ قنبلة على المدخل الرئيسي للموقع، وعبق الجو بالدخان.
اكمل الحج فادي: ظننت ان القصف ناتج عن انفجار قنابل عنقودية. بعد قليل سمعنا أصواتا عبرية. لقد التصقوا بالمكان. والموقع لا يشبه أي مكان في العالم. انه موقع لا يقع فوق الجغرافيا، بل في داخلها.
«عم يحكوا عبري يا اخوان. يللا». الباب الاول معطوب و
خطر، فلنخرج من الباب الثاني، والثاني مخرجه لا يتسع إلا لمقاتل واحد وبصعوبة، تسلقت الدرج وفتحت الباب اللامرئي، الباب المجهولة فتحته واقامته. باب من أبواب الأسرار. وفجأة يقول الحج فادي، لدى شق الباب (من تحت الأرض) وجدت جنديا اسرائيليا يدير ظهره إليّ. رميته واغلقت فتحة الباب. انها، «ديان بيان فو» مصغرة.

قتل الجندي الاول. و«صرت افتح الباب كي أرى بعين واحدة، وأمرر فوهة البندقية. عين من بني آدم، واخرى من فوهة.

رأيتهم يرمون قنابل عشوائيا ولا يصيبون أحداً. اصابوا الاشجار ولم يعرفوا مكان صدور النار, وصرت افتح وأرمي. ومرة، فتحت الباب قليلاً، فوجدت جنديا اسرائيليا مرميا يعالجه ضابط. كان رأس الجندي امامي وعنق الضابط المعالج قريبة من الفوهة شبراً. رميته في عنقه.

الجنود الاخرون، كانوا يرمون رمايات عشوائية ويصرخون ويعولون. لم انتبه الى انني اصبت بيدي، بشظية، لكثرة ما رموا من قنابل. دامت المعركة ساعتين ونصف، حتى كادت ان تنفد الذخيرة. مساء، اذاعت اسرائيل عن خسائرها: ستة قتلى وعشرة جرحى. عصراً، انسحبنا، فيما كانت الرمايات تنهال علينا من مواقع عالية في مارون الراس. نجونا وقد كان في حوزتنا ما وقع من أكياس وجعب و... تركها الجنود الاسرائيليون في أرض المعركة.

اصغيت إليه. انه شاب في رجولة لا تعبرها السنوات، كأنه انتظم في صفوف المقاومة بالأمس القريب. مع انه عتيق ومجرب. سألته عن العائلة:

«كانت امرأتي حبلى. استطعت تأمين اتصال معها. عرفت انها تركت بيروت. طلعت على البقاع عن طريق جبيل. بعد الحرب. اول اتصال كان مع ابنتي. بكت. حرت ماذا افعل. يجب ألا ابكي. لن ابكي. قبلتها على الهاتف. قالت لي أنا مشتاقة... قلت ما لا يقال من حنان أبوي، بصبر وفرح».

افرجت عنا المعارك، وبسرعة وصلت الى البقاع وزرت بيت عمتي. عمتي لها عندي مقام كبير، لما رأتني ابنتها صرخت: «جاني اخوك يا يمي».

وركضت للتو، باتجاهي: «نادرة ندر بوّس ايديك اللي قاتلوا». سحبت يدي. خجلت. تمنعت. قالت لي: «ضع منشفة على يديك. اقبلهما من فوق المنشفة». رفضت. قالت بالحاح. «سأفي النذر». وقامت وقبلتني في كتفي... عندها، كدت ابكي.

فضلت الصمت الطويل. ما اجمل هذا الفرح.

فيما كنت أراقب هدوءه. نظرت الى عينيه. التمعتا. لم يكن فيهما حزن البتة. التمعا بفرح وسحابة من دمع ناعم... وابتسامة خجولة على الشفتين.

VIII أرمي أم احمي... وبنت جبيل تحترق

الحج جعفر (ربما) اخذني الى مكان آخر. عدنا الى يارون. بنت جبيل مؤجلة. عيتا ايضا. مارون الراس الى وقت ما. المواقع الاخرى: إذا كان الظرف مناسبا. هكذا خمنت. هم يتولون امري. أنا اطيع. اسأل عندما يبلغ الصمت حداً لا يطاق.

قال الحج جعفر «كان الوقت عصراً. تبلغت بضرورة الخروج من موقعي لأقوم برماية لمنع رتل من الدبابات يتقدم من محور يارون. خرجت واكتشفت ان الموقع الذي سأرمي منه، قرب منزل كبير، لجأ إليه عشرات من الاهالي، بعدما دمر القصف منازلهم.

وقفت حائراً: عليّ ان أرمي وان احمي. كيف؟ لا اعرف. ما العمل؟ العدو اذا واصل تقدمه، دخل يارون من بابها العريض. عليّ ان ارمي واوقف توغله. واذا رميت، صبّت الطائرات الاسرائيلية قذائفها وصواريخها على المحيط برمته، وقد تكون قانا جديدة.

أرمي عدوي أم احمي اهلي.

الانتقال بعتادي الحربي الثقيل من موقعي ليس سهلاً، ومعرض لخطر القصف والقنص والست «إم كا». أخيراً. ثقل عليّ الموضوع: نقسم الخطر والنجاة مناصفة. سأبتعد مئات الامتار عن الموقع المحصن، واطلب من الاهالي الابتعاد عن ملجئهم مئات الامتار، وبسرعة، وهكذا حصل.

رميت وحميت. تلك منحة ربانية، «فالله رمى».

صعدنا الى السيارة، بعدما تغيّرت مرة اخرى. الوجهة الى مثلث الصمود والتحرير. اسرّيت الى «السيد» الذي لقبته «الأخ علي»(؟) بأنني لست عسكرياً. ولذلك عليه ان يطوّل باله عليّ. لا افهم بسرعة. ثم اني غريب عن المنطقة. وانكم تتكلمون بطريقة تظنون فيها انني فهمان عليكم. أنا بالكاد افهم. تدرجا من الابتسامة الرضية الى الضحك. عال. «صار فينا نحكي شوي خوش، بوش».

اظن، في تلك اللحظة، بدأت الكيمياء تفعل فعلها. ارتبطنا. صرنا نفهم على بعضنا البعض. سقط الحاجز بيننا. انتقلنا من رتبة الاحترام والاهتمام، الى رتبة ارقى: الود المتبادل. ارتحت وتحررت من الحرج. طلبت من السائق ان يتوقف. اطاعني، قلت: كي افهم ما جرى، اريد ان اضع رسماً لسير العمليات. انتم تشرحون لي بأسلوب المعارك المتقاطعة.

سأرسم: هنا بنت جبيل وهنا عيناتا وهنا عيترون، فمن اين يبدأ الهجوم. وكيف حصل ما حصل.

المكان المحدد الذي سنصل إليه، وفق ما يقول الدكتور منذر جابر، يدعى عقبة عيترون. وهي مشرفة على سهل الحولة. ومن التلة، قرب المدرسة المهنية تظهر مدينة أريد ومنطقة المثلث في الأردن كذلك «المفرق». وإذا انتقلنا مائتي متر إلى جبل كحيل تظهر منه حارة الأكراد في صفد، وهي الحارة الشمالية (صفد مؤلفة من أربع حارات). كما تظهر منها مزارع شبعا وجبل الشيخ بالكامل.

سعت اسرائيل بكامل قوتها كي تسيطر على هذا المثلث، الذي يصر زميلي في السفير حسين أيوب على تسميته بالمربع، مع رسم توضيحي، يبرز انتماء «المربع» إلى بلدة عيناتا. (وكل كلام غير ذلك ليس دقيقا).

ولأنها بهذه الأهمية الاستراتيجية، فقد بنى فيها الفرنسيون «أطمات» (جمع أطم) كاستحكامات عسكرية، لعبت دورا بارزا في الحرب العالمية الثانية، حيث استطاعت قوات فيشي المرابطة هناك من منع القوات البريطانية والديغولية من التقدم، وهي زاحفة من فلسطين.

وفي معارك المواجهة الأول مع اسرائيل، عام 1948، كان لهذا الموعق دور هام في معركة المالكية. وقد أقام فيها يومذاك الجنرال فؤاد شهاب مع وزير الدفاع آنذاك مجيد أرسلان.

ومما يعرف عن تلك المنطقة، أنها كانت استراتيجية تماما، كما كان المدفع المنصوب في الناقورة، ويدعى: «سفير جهنم».

ويبدو أن هذا المكان موقع خلاف بين أهل القرى الثلاث، التي تتنازع انتماءه. كل يدّعي عن حق، وصلا بالمثلث. وقد نبهت كثيرا إلى حساسية الأهالي. غير اني وجدت انه من الأفضل انتماء عيناتا وعيترون وبنت جبيل إلى هذا المثلث واخلاق تسمية جديدة عليه باسم «بيت عيناترون». لعل في التسمية حلاً... سنرى.

نعود إلى الطريق الواصلة بين مارون الراس وبنت جبيل، كانت السيارة تطل من فوق على المدينة. مدينة/ بلدة، توسع المكان لتلال حولها. تنتشر من وسطها والاسواق المرصوصة، الى ما بعد التلال. وهناك، الملعب الذي خطب فيه السيد خطابه الشهير: «أوهى من بيت العنكبوت».
من أين ستأتي العناكب؟

وضعت بنت جبيل في الوسط ورحت أرسم خارطة توغل الاسرائيليين والمواجهات: بعد اشتباك غابة عيترون، وقتل جنود الاستطلاع في تل الباط، وبعد تطهير البيت في تلة مسعود، قررت اسرائيل دفع قواتها، بعد قصف متواصل لبنت جبيل وعيناتا وعيترون والمناطق التي ستتوغل إليها والطرق التي ستجتازها، عبر محاور متصلة بثكنة أفيفيم عبر مرتفع كحيل. وقد اضطر الرتل الى التوقف بعد رماية من صاروخ وعبوة انفجرتا بالرتل. وهناك رتل آخر كان يتقدم من بوابة هرمون، باتجاه كسارة رميش الى تلة مسعود، وهذه توقفت مراراً، بسبب الرمايات المتنقلة. أما الرتل الثالث، فقد كان قادما من جهة الصدح الى بركة الحافور في مارون الراس. كان غرب وشرق بنت جبيل محاطاً بالاعداء والدبابات والقوات الاستخبارية المتقدمة، لإرشاد قواته للتقدم او التراجع.

ولم تستطع الدبابات العبور.

قلت: الآن فهمت. ولهذا بدأت المعركة البرية.

قال الحج جعفر: الآن، كي تفهم اكثر، نذهب الى «كرم الزيتون». قلت لم افهم. قام بحركة بيده معناها: ستفهم.

هنا المدرسة المهنية. تذكر جيداً. هنا الجامع. احفظه جيداً. وهنا مثلث التحرير، لا تنس ذلك. وهنا كرم الزيتون. ترجلنا من السيارة وأراني بأم العين، الملحمة التي خاضها المقاومون لمدة ستة وستين ساعة، دحروا فيها المشاة. وقد أجرت الزميلة سعدى علّوه تحقيقاً موقعاً عن تلك المعارك.
قال: في تمام الساعة الرابعة والربع «فجراً»، بدأ القصف على كل المباني. كان استنتاج غرف العمليات، ان اسرائيل، قررت ممارسة الأرض المحروقة تمهيدا لدخول المشاة المعركة. تقدمت فرقة منهم تقدر بـ 165 جنديا. ووجهوا بعنف على طريق المدرسة المهنية. ما استطاعوا اكمال الطريق. وصل بعضهم الى كرم الزيتون، وكان في المقابل ثلاثة مقاومين فقط، رابطوا في المكان، يراقبونه، لا مقاومة، لا طلقة نار. لا... ففتحوا ثغرة في جدار كرم الزيتون وتدفقوا الى أرضه. كان المقاوم يراقبهم ويراهم واحداً واحداً. تركهم كي ينهوا تموضعهم داخل الجدار، ورمى عليهم قنبلتين، فيما فتح المقاوم الثاني النار بكثافة.

وبدأت القوات الإسرائيلية بأطلاق نار عشوائي، اذ لا احد في المواجهة. وتحول كرم الزيتون الى جحيم. وقدرت فرقة صغيرة من التوغل الى مبنى، حولته الى مستشفى نقلت إليه القتلى والجرحى. بعد اخلائه. وجد على الجدران، اسماء جنود صهاينة قد وضع عليها حرف اكس. (قتل)، اما الجرحى، فقد كانـوا اكثر ولمااشتدت المعركة، حضرت مجموعات من بنت جبيل وعيناتا، تحت القصف، وتحت مراقبة الجاسوسة «أم كا». وكان الهدف منع انسحاب القوات المعادية وتطويقها، وصدرت الأوامر الاسرائيلية بتلبية النجدة لقوات المشاة، فبدأ القصف بشكل جنوني. عاشت بنت جبيل احلك الساعات. دمر الجامع، وقد استشهد من المقاومين حوله، قرابة ثلاثة عشر عنصراً.

منذ ذلك اليوم، عرف الاحتلال ان بنت جبيل عاصية عليه. فقرر ان يجعلها «شهيدة»، إلا ان الشهيدة عند شعبها حية ترزق، كما الشهداء عند ربهم أيضا.

IX حان وقت الاختباء

من الصباح حتى الخامسة عصراً، تعبٌ يطرد عند كل منعطف. يهمل عند كل معركة. يستريح في كل موقع. تعب يزداد، ولا راحة لمتطفل مثلي، غير الادعاء، بأنني ما زلت صامداً على خدر في القدمين، وتعب في العينين، وترهل في السير، وعدم قدرة اصغاء الجملة حتى نهايتها.

من سيارة الى اخرى، عدنا الى مكان كنا فيه، دخلناه من طريق آخر. فجأة بلغنا مكانا، ادخلنا إليه بطريقة غريبة. مكان بنوافذ ملغاة تماما.
دخلت وكانت المفاجأة.

ثلاثة بانتظاري. سلام ناشف. ابتسامات تقليدية. عيون محايدة. إلا انهم منصبون على عمل يقومون به، ليل نهار. أشار الحج بإصبعه الى الجدار، ورأيت ما لم أره، وما لا يجب ان أراه. ولا أحداً قبلي رآه، كما قيل لي، سوى قلة من المختصين واصحاب العمل.

ألبست بزة عسكرية، لا مسافة مرآة كي أراني. قالوا لي: «كويسة». الجميع ارتدى البزات واقتعدنا الأرض. فاجتاحني نعاس. استأذنت لقيلولة مسائية وغفوت، فيما هم يتحدثون ويعملون بما يشبه الهمس.

«خي»، ارتحت. انها الثامنة. مرنت ثيابي العسكرية بنوبة من النوم العميق. ضحكت ثم ضحكت ثم ضحكوا معي ومني.

هنا، بدأنا نشبه عائلة قيد التلاقي. لكن انضمام ثلاثة الى المجموعة، صعَّب مهمة الاسماء. هنا ايضا الاسماء ممنوعة. والرؤية ممتنعة. والكلام مهموس. فقط الاسئلة مسموحة. و«النقوزة متاحة» على مواقع العدو ليلاً، واكتشفت ان ما رأيته طوال النهار على طول الحدود، لم يكن شيئاً مفهوماً. العين المجردة قاصرة. عيون الليالي افضل.

ما أراه ليلا. بدا لي قريبا، بل اشد قربا. كأنني على تخوم ثكنة دوفيف، أرى الجنود فيها. هم في متناول... «علمك وعملك في المستقبل». كأنني أرى العدو في زرعيت والطرقات المحيطة في برانت وما حولها. كل ما رأيته نهاراً، كان في متناول بصري ليلاً.
ذلك هو العلم...

الايمان يعطيك الدفع الكبير، العلم يوصلك الى الهدف، وتصيب. اثنان يتلازمان بدقة. يعملان بانسجام. الله ليس وحيداً هناك. والعقل ليس يتيماً ايضا. التقيا. فرأيت ما رأيت.

وفجأة، اشار احدهم: انهم يدخلون من خلف السياج. لقد قطعوه. اضيئت المنطقة بالكامل. قد يصلون الى الخط الأزرق ويعبرونه. سيكون الليلة خرق ربما. إلا ان المشهد تعقد. ملالتان توقفتا في فسحة ما بين الشريط الشائك والخط الأزرق. حولهما عدد من الجنود. توقف الجميع عند تفسير ما يجري.

حركة غير عادية. هواتف. اتصالات. كلام ينقل. عبارات لم افهمها. لم اعرف الى اين تذهب. سألت، فتأجل الجواب. كان الاستنتاج الاقرب للتحوط، ان التحرك ربما يكون لتغطية فرار عميل الى «إسرائيل». تنبهنا جميعا. وصرنا نراقب حرارة المشهد. اتسعت الرؤية اكثر. صرنا نرى الجهة اللبنانية المزمع عبورها، ربما، من احد العملاء، كما حصل سابقا.

انتظرنا... وسهرنا...

وبين الانتظار والمراقبة، مدت «سفرة العشاء على الأرض»، مما تيسّر من كرم المساء. لبنة. جبنة. خيار. شاي. خضار. فواكه. ومشروب غازي، (فقط لا غير).

كان «الاخوان» قد نهضوا للصلاة من قبل. استأذنوا. خجلت قليلا. سألني احدهم: هل تصلي معنا؟ اجبت: صلّي عني. الله يسمع منك اكثر مني،
لما انتهت الصلاة، اقدمنا على كسرة خبز طيبة، جوعي اخجلني. اكلت من «اللبنة المزنكلة»، دزينة واكثر. وفيما كانوا هم قد انهوا عشاءهم، كنت ما زلت اغمس اللبنة بالزيت والزيتون وعروق النعنع و...

انشغلت بالطعام على مهل، فيما راحوا يجيبون عن اسئلة كنت قد طرحتها إبان النهار، الحديث يكاد يكون مهموساً. الليل ينقل الاصوات حتى الخفيضة منها.
كان السؤال: كيف كنتم تواجهون «أم كا»؟

محنتنا كانت هذه الطائرة، تصوّر انه في معارك بنت جبيل ويارون ومارون الراس، كان عدد الإم كا، كبيراً جداً. توزعت هذه الطائرات السماء وفسحتها الى مربعات للمراقبة والقصف. كان علينا ان نختبئ عن عدستها نهاراً، اما ليلاً، فكان علينا ان نلغي حرارة أجسامنا. نلتصق بشجرة او جدار. لان لدى الإم كا، قدرة على التصوير الليلي، عبر حرارة الاجسام. فهمت ما حولي، عندما عرفت وظيفة الإم كا.

العناية الالهية، او اللطف الالهي، مرجعية هامة في حياة المقاوم.

ينسب كل نجاة او صدفة حسنة، الى اللطف الالهي، وينسبون نجاحهم في تعطيل فعالية الرؤية النهارية والحرارية ليلاً، الى حيل علمية وذكاء عملي. قال لي عن الأم كا: «عرقلت حركتنا. ولكنها لم تعطله، اضرت احيانا انتقالنا من الى... إنما وصلنا. انه اللطف الالهي.

الحج، قائد مجموعة قتالية، كان قد حدثني في عيترون عن الاتصال اللاسلكي، وعن دخول الإسرائيليين على الخطوط. ذات مرة، دخل على خط الحج، ضابط اسرائيلي (يتقن العربية) قال لي: «يا جبان. نحن نعرف اين انت، أليس معيبا ان ترسل اخوانك ليقتلوا فيما انت تلوذ في ملجأ. اسحب مخربيك كي لا يبادوا».

عجبتُ، قلتُ له: وكيف تسمح لنفسك ان تسمعه. أليس هذا اتصالا بالعدو. ابتسم وقال: لاحقونا طوال النهار الحرب بهذه الرسائل.

ـ بماذا كنت تجيبه؟
قال: بما يلزم. مثلا: تهددني بالموت، وهو ما أبتغيه، الى آخره، وكان ييأس لفترة، ثم يعاود تهديده، وكنت ارد عليه بهدوء يثير عصيبته. وبين ساعة وساعة كان يكرر ذلك، الى ان جن جنونه من هدوئي، فراح يشتم ويسب ويلعن ولم يترك شيئا سفيها لم يقله. ولم اجب عليه. كنت اقول: هذا مستواك، ونحن لسنا من هذا المستوى أبداً. اذا كنت تريد المواجهة، فهي ليست بالكلام السباب والشتائم، بل حيث تجري مواجهة الآن، في محاور القتال. يشتم مرة اخرى، ويقفل الخط. وطفح كيل احد الاخوة المقاتلين الذي استمع مراراً الى هذه الاتصالات، فامسك الجهاز، وصب عليه جام غضبه وشتمه بسباب غير مسبوق. فأجابه الضابط الإسرائيلي على الجهاز. أنت لست من «حزب الله». «حزب الله، لا يشتم».

واستطاع هذا المقاتل، ان يستدرج الإسرائيلي الى برهان وجود. فلما اطل بمدرعته من موقعه، رماه بصاروخ اصابه.

«العين بالعين، ولكن بطريقة اخرى».

وفيما نحن نلملم فتات العشاء عن البساط، سمعنا المراقب: «تحركوا مجدداً. ربما جاء العميل. انتظرنا طويلاً. ولكن المشهد ظل ساكتا، حتى انسحب الإسرائيليون عند الصباح. فاتنا مشاهدة معركة او تسلل. لكن لم يفتنا ان نتخيل ما كان سيحدث، لو ان الإسرائيلي عَبَر الشريط، او لو ان العميل، هرب عبر الشريط.

X معارك من خارج الميدان: استراتيجيا

بعد العشاء، طاب السهر على أحاديث مقطوفة من يوميات القتال. فيما كنت أتساءل عن كيفية المواجهة، تبين لي، ان المقاومة لم تكن أعداداً غفيرة في القرى. أحيانا دون العشرين. إنما كان انتشارهم وحسن تموضعهم ودقة اتصالهم بالقيادة، الى جانب إيمانهم الملتهب الممزوج بحب الشهادة، كان من العوامل التي جعلت العدو يخفق في اختراق البلدات.

كان العدو يحيط بها. يحاصرها. يقصفها. يدمرها. ولم يجرؤ على تمشيطها وتنظيفها. حاول مرة في مارون الراس، فتكبد خسائر وخرج منها. والمقاتلون في البلدات، أهل دراية. مطمئنون الى انهم بين اهلهم. الفارق بين هذه المقاومة وما سبقها، انها احتضنت اهلها، فبادلها الأهل بالاحتضان، المقاومات السابقة، احتضنها الأهل، وكوفئت أحياناً بعقوبة التسلط والتفلت والهدر.

وكنت ألاحظ، بين حديث وحديث، وبين رواية حادثة وأخرى، ان عناصر المقاومة على اتصال وانفصال معاً، اتصال من اجل المعلومات والمعرفة والدقة، وانفصال من حيث المناورة والتقدم والانسحاب وكل ما له علاقة بمنع العدو من التقدم براً.

السماء ملك «الإم كا» والقاذفات الاسرائيلية أما الأرض، فهي ملك من «بما ملكت أيديكم».

وتوقعت، من خلال ما سرب إليّ او استنتجت، ان المقاومة ستخوض المواجهات، في حال نشوب حرب مقبلة، من خلال مجموعات مستقلة. قرارها منها. سلاحها معها. ذخيرتها حولها. طبابتها إلى جانبها. غذاؤها رهن وجبات تتوفر. وانها ستكون متنقلة، وتخضع لقيادة ميدانية مباشرة، فيما تظل القرارات الاستراتيجية والأسلحة الاستراتيجية كلها، في قبضة القرار المركزي.

كل مجموعة، غرفة عمليات ميدانية، الأمر لها. والباقي على الله.

XI في هجاء الشاي... و«تقبيل أقدامكم»

المكان مغلق، يصر احد الأخوان على ابقاء المهواية مفتوحة. صوتها مزعج. طالبنا باستراحتها، فأصر على إبقائها على حالها: «إنها تمتص الاصوات وتبعثر تموجاتها، فلا تنتقل. والليل جاسوس». فهمنا، المهواية لتمويه الصوت، ويجب أن نتحدث بصوت خفيض.

ـ شاي ايضا؟.
قلت: يبدو ان حفلات الشاي كثيرة، الا ان واحدة كانت «غير شكل». فهم الاخوان وعلق «السيد»: «لا افهم. وحتى الآن لا افهم. كيف يمكن تقديم الشاي للعدو والجلوس معه واستقباله بود وابتسام، فيما هو يسفك دمنا. هل نحن في بلد واحد؟ هل هذا هو لبنان؟ هل الذين قاموا بذلك لبنانيون؟».
توقعت ان يأتوا على سيرة الوزير محمد فتفت... فتمنعوا.

ورحت أقول شعراً في هجاء الشاي، فاستظرفوا.

حاولت استدراجهم للتحدث عن حياتهم الشخصية: قال لي أحدهم. اننا نشبه كل الناس. لنا أمهات نحبها ويحببننا. لنا عائلات نضمها وتحضننا. قال احدهم: أمي، لديها اربعة أولاد، الاربعة مجاهدون، وأمي توضب لنا اغراضنا عندما ننتقل من البيت لأداء مهمتنا. قال آخر: أمي ليست كذلك، كلما تجيء نوبتي للانتقال الى الموقع، اضطر الى إخفاء ملابسي في حقيبتي، واهرب حقيبتي من الشباك، واذهب باكراً حتى لا أتعرض الى سين وجيم. تصلي لي كثيراً، أخي ليس مقتنعاً، ليس متديناً.

قاطعته: أخوك متدين على طريقته.

وافق. ربما لمراضاتي او لاقتناع مستجد.

قال: عندما انتهت المعارك، وعدت الى البيت، لاقتني أختي «أنت موّتت بيك وهلق بدك تموّت أمك». ثم عانقتني وقبلتني.

قالت لي: «ولو يا خييي. إرحم عمر أمك». قبلتُ يدي أمي. احتضنتني بدموعها. قبلتني. شمت عرق القتال. تمتمت: «الله يحرسك يا ابني». كان دعاؤها هذا، ذخيرة عمري.

قلت: انهم يصورونكم على انكم تدارون «بالروموت كونترول». كأنكم لستم بشراً. حزبكم أغمض عيونكم واصاب عقولكم بالعمى، يطمشون عليكم، ومن ثم يأمرونكم وانتم تنفذون.

سألني: وأنت ماذا تقول؟
ابتسمت. قرأ الجواب في عيني. واكتفى.

أضاف: دعني أسرد لك سيرتنا عن جد. عندما نكون في المعركة، نمنع أنفسنا عن النظر الى الوراء. العواطف مؤجلة. الحنين مركون في القلب. هو ينام عندما نطلب منه. ولكن، ما ان ننتهي من المعارك، حتى تتحوّل القوة التي فينا، الى نهم إنساني. نعم: نهم. نحن مثل غيرنا. إذا بكينا، فبإباء، وإذا أحببنا، عبَّرنا وكل منا له طريقته. جئنا أرض المعركة بإرادتنا. لم يلزمنا أحد. لا طمع لنا بمال أو منصب أو... إلا ملاقاة وجه ربنا. ونصرة اهلنا وتحرير أرضنا. كيف يتحدثون عنا؟ والله اننا نظلم من سيوف الكلام، أكثر مما يظلمنا سوط العدوان.

صمت. ونظرت الى شاب دون العشرين. سألته: عندما سمعت خطاب السيد حسن نصر الله، وهو يقول: «إني أقبل «نعالكم»، نظر إليّ بخشوع: «من أنا حتى يقبل السيد قدمي». هوّنت عليه الأمر. قلت: السيد المسيح، في يوم الغسل، نهض وغسل أقدام تلاميذه ونشّفها. قال لهم فمن كان فيكم كبيراً صار خادماً للجميع».

عاد وأصّر: من اكون أنا إزاء السيد!؟ عندما أنهى خطابه، شعرت انه يكلفني بالانتصار، يضع على عاتقي وعاتق اخواني، مهمة علينا ان ننفذها.

سألت: أليس في حياتكم ما يثير الضحك وأحيانا السخرية. قال اثنان: «يلا يا أخ هادي». وهادي كان مشغولاً بمراقبة العدو. كان لا يزال غير مطمئن الى شبه الخرق. ليس من عادة الإسرائيلي الانتقال الى خلف السياج، إلا لعمل ما، ما هو. استدار إلينا و: «عندما توغل الإسرائيلي الى مثلث عيترون عيناتا بنت جبيل، واشتبكت قواتنا معه والتحمت. طلب مني أن أنتقل الى بناية قريبة من المبنى الذي احتله الجنود الإسرائيليون. تصوّر كيف سأدخل. بكامل الحذر والجهوزية والاستعداد لاطلاق النار. اذ قد تكون البناية أيضاً قد سبقني إليها الأعداء. صعدت الدرج، تقريباً كما يحدث في الأفلام. اصبعي على الزناد. وفجأة اجد امامي مقاتلاً غريباً كث الشعر طويلاً، وبلمحة بصر، أمطرته برشق ناري. عجيب. لم يقع، ولم تتحرك يده ولا شعر بشيء.
نظرت إليه مستقرئاً بعيني.

«يا أستاذ، كل ما في الأمر، أنني اطلقت الرصاص على صورتي في مرآة كبيرة منصوبة على جدار فوق سفرة الدرج. لم اعرف ان شكلي قد تغيّر بهذه الطريقة. كيف أصف لك نفسي، شعري ليس شعراً. انه قبيلة من كتل مبعثرة ومدلاة فوق الجبين والعينين والكتفين، لست أنا. أما لحيتي، فقد فاضت وكادت تصل الى بزتي. اكثر من خمسة وعشرين يوماً، ولا يعرف احد منا سحنته، وجهه، شعره، وفي أي غابة يقيم فمه، وأين أضاع أذنيه.

ما زلت حتى اللحظة، اضحك من نفسي، لأنني لم اعرف شكلي، وشُبِّه لي بأني قتلتُ... صورتي.

XII وإذا بليتم بالسياسة و...

عند منتصف الليل، طاب للاخوان أن يسألوني في السياسة. عندما كان أحدهم يتكلم عن أمر ما، كنت أنا الذي أصغي، فيما ينصرف الاخوان الى اعمالهم الروتينية في هذا الموقع المكتوم من زمان. (كيف حافظوا على كتمانه... فسرٌّ غير قابل للانكشاف).

أما عندما سألوني في السياسة، فقد اقتعدوا في نصف دائرة، وجلسنا كالدراويش، باستثناء مَن عليه واجب المراقبة الدائمة للعدو.

بادرني احدهم: «استاذ. ليش انسحبت مرة من لقاء في المنار؟» قلت: «علقة». هل أبادلهم بالكتمان أو أحرج آذانهم بما لا يرضيهم؟ اختصرت الكلام، ونجوت من «العلقة»، بالتي هي أحسن. أي، لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم». بعدها انهالت اسئلة أكثر حرجاً: ما رأيك بحليفنا فلان؟ وبصديقنا فلان، و... و... حوصرت بعدد من «الحلفاء» و«الأصدقاء» وضرورة إعطاء رأيي فيهم. وقد حمّسوني على ذلك بأدب. اخترت ما يناسب من النقد المهذب. استدرجوني إلى الأخطر، فالتزمت الامانة، وقلت ما يجب ان يقال. الى ان طالبني احدهم: فضفض يا استاذ كل ما في قلبك وعقلك. وأفضت في النقد حتى الثمالة. لم اكذب عليهم. قلت لهم رأيي بوضوح وصراحة.

قال احدهم: أهذه هي السياسة في لبنان؟ كنا نظن... وكنا نتمنى... ولو!!! ما عاد في صدق وصديق... وقال آخر، أكثر من ذلك. ولما وجدتهم قد تفاعلوا مع ما قلته في السياسة، والحالة التي بلغناها من الدرك الأسفل في التعامل، أكملت وصلتي السياسية بسيل من الشتائم من العيار الوسط...

من كان يتكئ إلى جانبي، استهول ما سمع، وانتصب على قدميه ووقف جانباً، وقال: لحد هون يا استاذ وبس. فطنت الى قصة الضابط الإسرائيلي الشتام، وصمت على مضض. هوّن الآخرون عليّ الامر ومازحوني: «الأخ حساس، أكثر من اللزوم».

احترم حساسيتَهُ. ولكني لا اطيق عدم القدرة على التعبير بقاسي الكلام، على ما آلت إليه أمور السياسة في لبنان، وتحديداً، بعدما انهالت السياسة على المقاومة في عز امتحانها الدامي وبعد انتصارها العسير.

خرجت من السياسة، بأقل الأضرار، فيما هم قد تمتعوا بكشف عورات السياسيين والسياسة، ورأوا أنها غريبة عنهم. سألتهم: اين مرجعيتكم في الأخبار السياسية؟ قالوا: «المنار». قلت: «المنار فقط!» الجواب بالتأكيد طبعاً، انهم لا يصدقون إلا ما تقوله المنار. فقط، من حقهم التشكيك ببعض الإعلانات، خاصة الإعلانات المشروحة.

وجدت وسيلة للتهرب من السياسة. قلت في نفسي: فليحدثوني عن بعض «المعجزات». فلأتوغل معهم في الإيمان، فأخذوني إلى حالي.

عرفوا، بطرق متعددة من خلال بعض الكلمات، أنني لست مسلماً، ولست متديناً. شرحت لهم ذلك... لا جواب. انما كان هناك شعور جميل بأنهم يستضيفون بينهم وفي مواقع حساسة، من ليس من دينهم ولا ملتهم ولا مذهبهم. يستضيفون رجلاً في الخامسة والستين، وهم في مقتبل العمر، ويندفع في كلامه عن المقاومة (كتابة ومرئياً) وكأنه من أهلها.

سألوني كيف وصلت الى فلسطين.

قلت: أنتم وصلتم إليها من خلال الدين. والثقافة الإيمانية، والموقف من الاحتلال الظلم ـ والاضطهاد. أنا جئتها من انطون سعادة ومن خلال أمي. فلقد أهديت كتابي «حوار الحفاة والعقارب... دفاعاً عن المقاومة» بالنص التالي: «إلى انطون سعادة الذي أرشدني الى السيد حسن نصر الله فمشيت خلفه».

لا يعرفون الكثير عن عالمي. عن العقائد السابقة لحضورهم. معذورون، أنهم منشغلون بما هو مادي ومحسوس: تحرير الأرض بالقوة. (وليس ترداد شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة... واذهب وربك فقاتلا) والقدس قبلتنا.

ثم أخبرتهم عن علاقة أمي بفلسطين... فلم يفهموها. لأني انا ايضا حتى الآن، لا اعرف لماذا أمي الأمية، التي لا تعرف القراءة والكتابة، والتي لم تنتم إلى أي حزب، وليست فلسطينية المولد، كانت فلسطينية أكثر مما كانت مسيحية او لبنانية.

فسَّروا لي ذلك: باللطف الإلهي. ارتاحوا. أما أنا فلم أجد تفسيراً بعد.

XIII أصلي صلاتي وأنام

أرضاً ننام. حسنا. أخذت بطانية صغيرة، تدثرت بها ولم اغف، إلا بعد مراجعة هذا النهار المديد. قررت أن يكون الغد، لتسجيل الملاحظات كافة والدخول في تفاصيل المواقع المتاحة. وتذكرت عدداً من قصص، كان عليّ أن أغرزها في ذاكرتي المتهالكة. كي لا أنساها.

القصة الأولى عن ثلاث عجائز، عزلوا في بيت داخل منطقة تعرضت للقصف وباتت خراباً. لم يصل إليهم احد. بنت جبيل تعرضت لقصف احالها ركاماً. كأن زلزالاً من عيار رختر العالي قد ضربها. ركام فوق ركام تحت ركام الى جانب ركام. وبين هذه الحجارة، بيت يضم ثلاث عجائز: لا طعام، لا دواء، لا عزاء. وعندما ذهب المجاهدون للبحث عن طعام لهم في المحلات المدمرة، وجدوا الثلاثة أمواتاً إلا قليلا. فأسرعوا، ومعهم اللطف الإلهي، ونقلوهم الى لقمة ودواء وعناية.

القصة الثانية، عن مجاهد نصح عائلته المؤلفة من زوجة واربعة اولاد، ان يتركوا عيترون الى بيروت. كان القصف شديداً. اطمأن المجاهد الى ان عائلته اصبحت في مأمن، وعندما انتهت الحرب، دعي المجاهد إلى ملاقاة عائلته في عيترون أصيب بذهول. ولما التقاها كانت المفاجأة: العائلة لم تترك البلدة.

فعندما همت بالخروج، انهال القصف على مداخل البلدة، وتحولت الطرقات الى حفر واسعة. وبات الانتقال انتحاراً مؤكداً. فلجأت العائلة الى قبو من طين، هو آخر ما تبقى من تلك البقعة من بيوت لم تسجد على ركامها. ثلاثة وثلاثون يوماً، عاشوا في قبو أشبه بقبر. لا ماء إلا من بئر قريب... ماؤه بطعم لا يطاق... ولا طعام إلا من خبز لتواجد طحين ووجاق.

عندما رأى المجاهد عائلته، كاد أن ينكرها. لم يعرف امرأته ولا اولاده، كان الجوع قد ذوّب وجوههم وأجسادهم... باتوا عائلة من خمسة أشباح... «شي بلوّي القلب».

ويقولون عنهم في الاعلام العربي والغربي لعبة شطرنج. دمى متحركة. عميان. هل نسوا جميعاً ان بيروت في العام 1982، جاعت ولم ترضع من ثديها؟
وعنّ على بالي ان أتلو صلاتي قبل أن أنام. وجدت في ما حفظته من «مزامير» محمود درويش، خير ما أختم به يقظتي.

«نحن الواقفين على خطوط النار
أحرقنا زوارقنا وعانقنا بنادقنا
سنوقظ هذه الأرض التي استندت إلى دمنا
سنوقظها، ونخرج من خلايا ضحايانا
سنغسل شعرهم بدموعنا البيضاء
نسكب فوق أيديهم حليب الروح كي يستيقظوا
ونرش فوق جفونهم أصواتنا:
قوموا ارجعوا للبيت يا أحبابنا...
(وأحسست بدمعتين تنسحبان من عيني... وأكملت الصلاة):
قوموا ارجعوا للبيت يا أحبابنا
عودوا إلى الريح التي اقتلعت جنوب الأرض
من أضلاعنا
عودوا إلى البحر الذي لا يذكر الموتى ولا الأحياء
عودوا مرة أخرى
فلم نذهب وراء خطاكم عبثا
سندفع عنكم النسيان، نحميكم
بأسلحة صككناها لكم من عظم أيديكم...
فليس سواكم أرضاً نسمِّر فوقها أقدامنا...
عودوا لنحميكم
فمن دمنا إلى دمنا حدود الأرض
من دمنا إلى دمنا سماءُ عيونكم وحقول أيديكم
من دمنا إلى دمنا...
«إلى دهر الداهرين... آمين».
غفوت.. وفي الغد، كان يوم آخر.

XIV الصباح رباح... إلى فلسطين خذوني معكم

ضيوف جدد إلى الموقع. عناق وفضول: من القادمان؟ الأول: ضابط في غرفة العمليات والثاني مسؤول قطاع خلفي. أنا طامح بمعرفة ما يتاح من أمور استراتيجية وعسكرية، وهما يستدرجاني إلى السياسة.

هربت إلى السؤال: لدي ثلاث مسائل: أولا: القضايا ذات الطابع الانساني. عدم نقل الجرحى من أرض المعركة مأساة. ألا يجب أن يكون لدى المقاومة خطة لإخلاء الجرحى؟ أليس لديها توجه لتوظيف تأثيرها، لوضع المؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها، لحماية طرق الصليب الأحمر والهلال الأحمر؟ ثانيا: لا يمكن الاعتماد دائما على محبة واحتضان الأهالي في الجنوب. أين الملاجئ والمستوصفات. للاحتمال حدود. المجازفة بضمانة تأبيد الأهالي برغم التضحيات غير المتوفرة. ثالثا: وهنا بيت القصيد: متى لا تعود السماء اللبنانية مستباحة. ستصبح المقاومة كالجيوش العربية، تتقدم على الجبهة بلا غطاء جوي فعال. هل يمكن الاستمرار من دون تأمين حماية جوية للأهالي، فلا تدمر بيوتهم ومحالهم، وحماية للمقاتلين، ليتحولوا من عناصر دفاع إلى عناصر قادرة على الهجوم واختراق الحدود. وتحرير أراض فلسطينية؟

الجلسة كانت على الترويقة: شاي. لبنة. أجبان. خضار. بعض اللحوم الطازجة. وحده الجالس للمراقبة، يدير ظهره لنا. باءت تنبؤاته بالفشل. كان يتوقع اختراقا أو هربا لعميل. الصباح رباح. إننا نرى، بغير أم العين، وبوضوح تفاصيل الحياة اليومية للجنود والعربات وطريقة تكنيس الطرق الترابية ودوريات المراقبة، والشريط الشائك «الإلكتروني».

قال الضابط: لا تنتظر ان نعوّل على الهيئات الدولية. الهيئات الانسانية عاجزة عن مساعدتنا او حتى مساعدة الأهالي. قانا حدثت، وكان الأهالي في كنف المواقع الدولية. قانا الثانية، كذلك. لم تتحرك سيارة للصليب الأحمر، برغم الحاجة الماسة، لأن العدو كان يقصف كل ما يتحرك. تراث المؤسسات الانسانية الدولية غير مشجع. لا نعوّل على العالم. نسيناه. انه خلفنا. علينا ان نقلّع شوكنا بأيدينا. القوانين الدولية سارية المفعول، بما له علاقة باسرائيل. العالم أخرس أطرش أعمى. «سعدان ومكتّر». دمرت اسرائيل برج المراقبة التابع للأمم المتحدة. قتل نيباليون وصينيون، وصمت العالم. لو أن اسرائيل ضربت إسبان أو فرنسيين، لقامت القيامة تصريحا، ثم لا شيء.

هل نسيت يا أستاذ مجزرة المنصوري؟ ألا تعرف أنهم ضربوا المستشفيات والمراكز الصحية وهدموا بعضها على من فيها؟ ألا تذكر مجزرة الصليب الأحمر في صور وسقوط 25 شهيدا.

عندما يقاتلك العالم، عليك ان تهتم بجرحاك وحدك. والعناية الإلهية حاضرة لتكفل جراحنا.

كأنني اقتنعت... وكأنني لم أقتنع. فاذا كان العالم قد تخلى عنا، فأين الدولة اللبنانية، وأنتم شركاء فيها؟ لا جواب. كأن الدولة اللبنانية من هذا العالم الذي تخلى عنا.

وكيف نحمي سماءنا؟
قال الضابط: الله كبير. استطاع الاخوان اختراع عدد من الطرق لتضليل الـ أم كا. اخترعوا ما يشوش عليها. موّهوا إلى درجة لم يكن المقاتل يعرف نفسه. التصقوا بالأرض. بالشجر.

قلت: ولكن ذلك ليس كافيا؟
أجاب: أنت تحرجني وتريد ان تعرف شيئا عن المستقبل. وتحديدا عن الصواريخ.

قلت: معرفتي ليست لحشرية الصحافي، بل للاطمئنان. فأنا أتخيل دائما، وهذا من حقي، أن المعركة القادمة، قد تفضي إلى ضرورة اجتياز الشريط الحدودي، والدخول إلى مستعمرات والاقامة فيها. وعندها، لن يتمكن العالم كله من اخراج المقاومة، حفاظا على أرواح المستوطنين فيها، وقد يتغير وجه الصراع.
التفت إليّ وقال: طمّن بالك. هناك مفاجآت كثيرة: في الحرب الأخيرة افصحنا عن مفاجأة بحرية. وأثبتنا قدرتنا على المواجهات الميدانية في وادي الحجير، وهذه السماء ستصبح محمية ان شاء الله.

قلت له: يعني في صواريخ تمنع الطائرات؟
قال: طمن بالك.

لم أطمئن: أنا توما. أريد أن أرى بإصبعي.

قال: خلص. طمّن بالك. ستراها بأم العين، في الوقت المناسب. وتساءلت: متى يكون الوقت مناسبا. كبتّ حشريتي. وقلت: الله يطمنك.

وعاد الضابط إلى السياسة، فيما المسؤول معه، يلوم الاعلام، ويؤكد على مسألة الإيمان. قلت له. أعرف ما للإيمان من قوة. واستشهدت بالانجيل: «من كان له ايمان بمقدار حبة الخردل، وقال لهذا الجبل ان ينتقل، فسينتقل». الايمان يصنع المعجزات. ولكنه لا يفيد بدون سلاح فعّال.

عبث. الاتكال على الله مطلق. وأنا القليل الإيمان، اتكالي على ما يحمله الانسان، ويصنعه ويتدبر به أمره. لعلهم على صواب أكثر مني. ولكني من سلالة توما، من زمان بعيد.

طالت الجلسة... انها الساعة. لا بد من تدبر ما تبقى من البرنامج. شلحنا بزاتنا العسكرية، وخرجنا بطريقة معتمة في وضح النهار. لا نرى خلفنا او قدامنا. السيارة محكمة الاغلاق. ثم، استقللنا سيارة أخرى واستعدنا المواقع والمناطق و... إلى ان بلغنا نقطة الانطلاق. لكن السائق لم يتوقف. أشرت إلى أن سيارتي مركونة هنا. قال: بعدين. عنا مشوار صغير. أطعت. ودخلت السيارة في طرقات ومنحنيات ومنعرجات، Demi tours، مرة إلى الأمام ومرة إلى الخلف، إلى ان بلغنا مكانا حرجيا.

ـ تفضل معنا.
الحرارة تكوي. أنه شهر آب. والطريق الجبلية حرجية وعرة. حاول ان يمسكني بيدي كي لا أقع. تجالدت. صعدنا وصعدنا... ومن كان أمامي كان يسبقنا ليستكشف أو لكي يقصر المسافة المعتادة. وبعدما كادت أنفاسي تنقطع عن جد، توقفنا لنرتاح، فإذا بباب من تحت الأرض ينفتح وبدأ الشرح... دخلنا... وبدأت الدهشة... لن أضيف أكثر من ذلك. قالوا لي، هذه هديتك قبل عودتك. أنظر وتأمل وثق واطمئن.

فرحت كطفل رأى لأول مرة دمية بين يديه. لم أصدق ما رأيت. وتذكرت معركة المواجهة في موقع قرب يارون. ثم تذكرت ما قاله الضابط عن أن السماء لن تكون هذه المرة مسرحا للطائرات الاسرائيلية. وأكتم القول على كل ما قيل وما شاهدت.

عندما انتهينا. وخرجنا من المكان... عاد إليّ الإيمان الذي سجلته في كتابي «حوار الحفاة والعقارب». المستقبل العربي، بل مستقبل الأمة، يكتب من هنا. و«الانتصار الإلهي»، رهن بأن يكون الله واحدا في كل المذاهب والأديان والطوائف. وإن لم يكن كذلك، «فالقوة هي القول الفصل في إثبات الحق أو إنكاره». وهنا، آيات القوة بيّنات. وما رأيته شاهد على ذلك.

عدنا إلى نقطة الانطلاق. ودعني من أصبحا صديقين لي على أمل اللقاء، وأسرَّا لي باسميهما، وأعطيانا أرقام هواتفهما. وتواعدنا على أن نلتقي.
سألوني: شو انطباعك يا أستاذ.

ها أنذا أنهي كل ما كان لدي من انطباعات.

ولما غادرت المكان، صدحت بصوتي الأجش، رتّلت أغنية أم كلثوم التي غنتها بعد الخامس من حزيران، وأهدتها إلى الثوار: «إلى فلسطين خذوني معكم».

12 أغسطس، 2009

هل تمزح يا ناتانياهو؟

مزاج الشارع الصهيوني في مواجهة التهديدات الإسرائيلية للبنان:هل تمزح يا ناتانياهو؟

إذا حصلت حرب جديدة، فأنا مع لبنان ضد "إسرائيل"!

قاسم ريا

هذا ليس كلاماُ صدرعن مواطن في الضاحية الجنوبية لبيروت، بل كلام لمستوطن في وسط تل أبيب ، تعقيباً على مقال لصحيفة "هآرتس" الاسرائيلية بعنوان (حزب الله : نحن مستعدون للتصدي لأي عدوان اسرائيلي) .
ويظهرجليّا من خلال التعليقات والملاحظات التي طرحها العديد من القرّاء اليهود والأميريكيين على الموقع الإلكتروني للصحيفة العبرية - أكان في كيان العدو أم في الولايات المتحدة - التخوف الشديد من عدوان اسرائيلي جديد على لبنان في ضوء الحملة الاعلامية التي يروج لها قادة العدو بهذا السياق .
أول تعليق على الخبر كان "هل تمزح يا نتانياهو؟" في اشارة إلى الصدمة من التصعيد الإعلامي ضد لبنان والذي اظهر نتنياهو بصورة الأحمق أمام مستوطني كيانه الغاصب، وتلته دعوات ثم دعوات .. لعدم تكرار أخطاء الماضي بدءاً من عام 1982 والإجتياح الإسرائيلي أو "الخطأ الأكبر" كما وصفه أحد المستوطنين، وحتى حرب تموز 2006 والتي شكّلت الضربة القاضية، لحلم اعادة الاعتبار لـ "اسرائيل" وقدرتها على الردع ..

من ألمانيا، يقول احد المعلقين إن على "اسرائيل" أن تدرك التغيرات التي جعلت الحاضر مختلفاً كثيراً عن الماضي، وأن قرار شن الحروب لم يعد قراراً منفرداٌ تتخذه ساعة تشاء، لأن ما في أميركا يكفيها من مشاكل مع دافعي الضرائب، الذين يسعون يوماً بعد يوم لتقليص ما يدفع سنوياً لكيان العدو، فكيف بحرب جديدة؟

هذا التصعيد ليس لمصلحة "إسرائيل"، كما يقول أحد المعلقين من أوهايو في الولايات المتحدة الأميركية. "فنتنياهو رجلُ دائم السعي للإنتقام، وحلمه الوحيد أن يعرف بالأرقام عدد العرب الذين سيقتلهم.. قبل أن يُقتل !"

بدوره يقول أحد المعلقين الصهاينة: "لا يمكن أن نصدق كل تصريح يصدرعن حكومتنا، لأنه عاجلاً أم اَجلا يتم نفيه رسميّاً". وهذا بعد تعليق يسخر من "الأغبياء" الذين لا زالوا يصدقون اكاذيب نتنياهو، موضحاً أن الضجة الإعلامية هذه مجرد وسيلة لإلهاء الرأي العام الصهيوني عن الفشل المتزايد وقضايا الفساد التي تعصف بحكومة العدو.

و يظهر جليّا حجم المخاوف في الشارع الإسرائيلي، الذي يرفض تصديق ما يسمع، بل لا يجرؤ على التصديق .

فقد علّق احد القرّاء بإسم " bbc news " قائلاً : "إسرائيل" لم تلتزم بدورها في تطبيق خارطة الطريق، و -بيبي- * في اشارة إلى بنيامين نتنياهو* يقوم بجرّ "إسرائيل" إلى الخطأ، وهو مدرك أن ساعة "إسرائيل" و حكومته تدقّ، فيقوم بخلق هذه التوترات و الضجة الإعلامية ملوّحاً بحرب جديدة، عنوانها" مزارع شبعا" و هي على فكرة، تخص لبنان.. لا "إسرائيل" .

لفتة مضحكة مرّت في احد التعليقات، حيث يقول مستوطن يهودي لقّب نفسه ب "الراباي" - نحن بضعة ملايين، و هم ستة مليارات، أجروا العملية الحسابية، لن نتمكن من السيطرة على العالم! - ويتبعه اخر قائلا: "لا نريد حرباً أخرى مع حزب الله، وعدنا بالفوز في الحرب الماضية و لم نحقق شيئاً، سوى 20 الف مهاجر رحلوا من دون عودة، وبيبي لم يذق طعم البقاء تحت الأرض ولم يشاهد الجنون عند اطلاق صافرات الإنذار! وما ادرانا، ربما يراها هذه المرّة!"
وعلّق احد القرّاء من المستوطنين قائلا: يدعوننا لعدم السفر إلى سيناء لأنها تشكل خطراً علينا، والخطر الفعلي هو في منازلنا ومدننا، كفى حماقة يا "بيبي"، دعنا نعيش بسلام .
هذا هو باختصار حال الهلع الذي يصيب المستوطنين الصهاينة امام اي تصريح لقادة كيانهم يتهدد لبنان بحرب جديدة ، فبدل ان يوجه الى المقاومة وجمهورها ترتد تداعياته الى داخل الكيان الصهيوني ولا تبلغ الحدود مع لبنان