16 نوفمبر، 2008

نحن… وهم ونظرية المؤامرة!

هذا المقال كتب منذ فترة طويلة، واحببت ان اعيد نشره مجدداً، لكي يتمكن القاريء من اجراء مقارنة مابين توقع الحدث وكيفية وقوعه.(مرحلة الانتخابات التي جرت بين آل غور الذي كان يوصف بانه صهيوني محض، وبين جورج بوش وعلاقته الشخصية والعائلية المعروفة مع السعودية العربية!!).

بُعيد الانتخابات الأمريكية، كتب الاستاذ محمد حسنين هيكل مقالة لخصّ فيها رواية صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية وملخصها أن صراعاً دار بين مرشح لليهود والإسرائيليين على الرئاسة الأمريكية. وبين أخذ ورد ربح المرشح غير اليهودي. وإذ أعيد جمع الأصوات في إحدى الولايات تكرس ترشيحه ليكشف أحدهم أن الذي ربح أكثر ارتباطاً بإسرائيل من الذي خسر.
وقتها، توقفتُ ملياً عند أن يستنفر الكاتب قلمه لشهر كامل كي يقرأ ويعرض الرواية بهذه الطريقة التي لم نعتدها منه قط.
تلقيت عدة اتصالات تقول لي: هيكل يرسم صورة(المؤامرة) الإسرائيلية للسيطرة على البيت الأبيض. ولما بدأ هيكل العرض بلا أي مقدمات وانتهى إلى غير نهاية مكتفياً بالعرض، فهمت أن الرجل كان يتأرجح بين المصّدق والمكذّب(نصف – نصف)، وأنه رغم تكذيبه أراد أن يرسم للقارئ لوحة احتمالية تقول بأن له أن يعّمل الخيال فنقول بنظرية المؤامرة، وله أن يرفضها ولكن عليه أن يضع احتمالاً كهذا، وله أيضاً أن يضع ذلك في قائمة حساباته باعتبار أن ما سيحدث هو من وحي هذه الرواية أي مجرد انحياز أقصى من الإدارة الأمريكية الجديدة لإسرائيل وكأن ثمة مؤامرة فعلياً. وهو ما أعتقد أن عدم تصديق هيكل له هو الذي دفعه للكتابة بطريقة التورية.
وللحقيقة، فأنا لم أشعر للحظة واحدة أنني أستطيع أن أتقبل فكرة المؤامرة في السياسة بالطريقة البوليسية التي ترسمها الأفلام البوليسية وتحديداً الأمريكية منها!. فالحسّ السياسي يعتبر المؤامرة جزءاً من السياسة، لكنه يرفض أن يعتبرها مادة يرتكز إليها، خصوصاًً أن استخدام مفردة(المؤامرة) تعبرياً في الخطاب السياسي العربي كان مبالغاً إلى حدّ أن أي تجاوز له، لابد أن يمّر بإعادة توصيف المُفردة، ومن ثم إعادة تشكيلها معرفياً وإجرائياً وعملياً بصورة واقعيّة.
وعلى هذا فقد نتفهّم وجود المؤامرة، ولكن علينا أن نفهم أن النظر إلى السياسة كحقل متجانس يعمل فيه الجميع(أقصد المؤسسات) بصورة آلية لخدمة(مؤامرة ما) هو أمر ليس من السياسة بشيء. وكذا يمكننا اعتبار أن تمرير خديعة على هذه المؤسسات كلها بهذه الطريقة هو أمر من قبيل الخيال غير العلمي.
نعم الإسرائيليون، وخصوصاً الليكود عملوا منذ فترة غير بعيدة على الانسلال إلى المؤسسات الأمريكية، بحكم تواجدهم في الولايات المتحدة، وبحكم قدرة المال، وبسبب من إدراكهم(الأفضل من إدراكنا ـ بالتأكيد ـ) لطبيعة اللعبة السياسية وإمكانية الاستثمار فيها.
وهكذا بعد أن كان تواجد كيسنجر في الخارجية الأمريكية مجرد(صدفة تآمرية!)، أصبحت اللعبة أكثر مؤسساتية وأكثر عملية. فهؤلاء الناس لا يبكون حظهم العثر، ويعرفون طبيعة السياسة ويدفعون فيها(أي يستثمرون)؛ لأن النتائج ستُستعاد إن عبر مواقف سياسية لها ثمن اقتصادي، أو بالدفع المباشر عبر المساعدات أو بالدفع غير المباشر عبر القروض… وهم يبذلون جهوداً تنظيمية عالية .
هذا الأداء، و(المسألة باختصار) أن تفهم وتتفهّم اللعبة السياسية بشكلها البراغماتي، وتندرج فيها وتتكلم لغتها.
نقول هذا ونشعر بغصّة؛ لأن البعض لم يدرك أهمّية ذلك الاستثمار، وتعلُّم تلك اللغة، وستبقى السياسات العربية إزاء هذا الجمود إما تنتظر ما سيأتي من الولايات المتحدة في لحظة تجلٍ!!!، أو أنها ستبقى أسيرة حركتها الضعيفة.
سنذكر مرة أخرى ـ أنه وبعد تقريع جيمس بيكر لشامير قبيل عقد قمة مدريد- تحرك الإسرائيليون وخصوصاً الجناح اليميني( الليكود) وعبر( الايباك) ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومعهد أمريكان انتربرايز ومركز سياسة الدفاع والمعهد اليهودي لشؤون الأمن الوطني…. كلٌّ بطريقته من أجل السيطرة على قطاعات هامة من المؤسسات الأمريكية بدءاً بالكونغرس وانتهاءً بالإدارة. وقاموا بتغذية المؤسسات الرسمية بأفكارهم.
لقد أنفقت الايباك وحدها خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة على104 مرشحين للكونغرس ونظمت ناخبيها بقوة ومن أصل31 مرشحاً لمجلس الشيوخ فاز28، ومن أصل 73 مرشحاً لمجلس النواب( لاحظوا الإنفاق الأكثر في القطاع التنفيذي) فاز لهم57 مرشحاً.
واستطاع الإسرائيليون أن يقتلعوا من الكونغرس السيناتور تشارلزبيرسي المناوئ لإسرائيل وللحركات الصهيونية دون أن يجد المسكين من يقف معه من العرب. صحيح أن السياسة ليست وفيّة بالصورة التي تقتضيها العلاقات الاجتماعية، إلا أن عدم الوفاء هنا مرده العجز واللاخيار وثمنه الحقيقي الخسائر تلو الخسائر.
لا انتماء في اللعبة السياسية الأمريكية، فاليهود يتحركون بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري بلياقة تامة ويتوزّعون الأدوار؛ فريتشارد بيرل الذي يشكل حالياً رئيساً لمجلس سياسة الدفاع بدأ حياته السياسية في الحزب الديمقراطي، ثم عمل مستشاراً لنتياهو وكتب له دراسة (الديمقراطي الأصل أيضاً، والذي يعمل حالياً مستشاراً للوزارة نفسها)، حول التخلص من اتفاقية أوسلو.
وإذ ندرك بأن الحزب الجمهوري لم يكن يميل تاريخياً لإسرائيل ويعتبر أن المساعدات لها تثقل كاهل الناخب الأمريكي، فإن سيطرة اليهود اليوم في وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي يعتبر خلال الفترة الممتدة من تقريع جيمس بيكر عام1991 وتشكيل الإدارة الأمريكية الجديدة بعد انتخابات عام2000، إنجازا بامتياز.
وقد تم استحداث اختراق حقيقي للمحافظين (أعني الجناح الأيمن من الحزب الجمهوري) من أصعب نقطة فيه وهي تيار المحافظين الجدد الذي بدأ في عهد رونالد ريغان كتظاهرة هامشية وجانبيةّ في مشهد الحزب الجمهوري ليصبح اليوم رأس الحربة في الحزب الجمهوري، حيث يتبنى الآن نهج( أمريكي القوية والعادلة) وبدعم الحرب على الإرهاب بلا هوادة ولا يميز بين هذه الحرب وحرب شارون.
هذا التيار الذي سيطر على البنتاغون يسيطر عليه اليوم اليهود ومؤيدو إسرائيل وتبدأ السلسة بنائب وزير الدفاع بول وولفيتز ومستشار الوزير الأول داغ فايت والثاني ريتشارد بيرل ومستشار الوزارة للساسة دوغلاس فليث، وبيتر رودمان ودوف زاخايم اللذان يسيطران على مكتبي سورية ولبنان وإسرائيل في وزارة الدفاع وهما من مرتبة وكيل للوزارة، وتنتهي السلسلة بما يرسمانه تحتهما سلسلة من خريجي معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الذي يتزعمه مارتن أنديك. ولابد أن نذكر جون بويندكستر الذي يعمل حالياً مسؤولاً في وزارة الدفاع عن جمع المعلومات عن الإرهابيين.
وهذا التيار هو الذي صاغ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي جورج بوش في العشرين من شهر أيلول/ سبتمبر2002، والذي ينقضّ على مبدأ ترومان بالردع والاحتواء ليشكل مبدأ بوش القائم على القليل من الردع والكثير من التدخل المباشر.
هذا الاتجاه الصقري يلمّ المشبوهين من اليهود الأمريكيين بدون أدنى تحفظ ، ففضلاً عن تعيين ايليوت ابرهامز في منصب المسؤول في مجلس الأمن القومي عن الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا قادماً من مكتب دعم الديمقراطية في المجلس نفسه(ولعل تأثيره واضح في استراتيجية نقل الديمقراطية بالقوة وعبر وسائل(التحفيز!) في ما عرضه كولن باول في استراتيجية الشراكة مع الدول العربية والإسلامية وخصوصاً في الشرق الأوسط، وهو ما يبعث على الشبهة)، هنالك بويندكستر المذكور سابقاً الذي أدين مع ابراهامز في فضيحة إيران ـ كونتراغيت وتهم بويندكستر بلغت خمس تهم والغريب أن منصبه أعلى من منصب ابراهامز الذي… بثلاث تهم… فقط!
د.عماد فوزي شعيبي رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية
ishueibi@scs-net.org

هناك تعليقان (2):

م/ الحسيني لزومي يقول...

اخي/ ناصر
انا شاكر لزيارتك لمدونتي ومؤازرتك للحملة وقد تم ارسال كود البنر عل الميل
وارجو المعذرة لانني لم اعلق علي موضوعاتك الهادفة في مدونتك لانشغالي بالدعوة للحملة والذي يتطلب مني الدخول علي مئات المدونات في اليوم
مع خالص حبي وتقديري

ناصر يقول...

بالعكس تماماً، انا ارجو معذرتك لعدم استطاعتي المساعدة في الخدمة الوطنية التي تؤديها.
ان مفتاح التغيير هو ان تبادر للناس للقيام بواجباتها وتستطيع عند ذلك ان تقاتل اذا لزم الامر من اجل حقوقها.
شكراً على ماتفعله.