29 أكتوبر، 2008

السائد ... قائد ! الجزء الثاني من كثافة المعلومات وقلة الحقائق

لقد اصبح الانقياد للسائد والمألوف سمة العصر، واصبح للاعلام سطوة على العقل الجماعي والفردي يمكن النافذين اعلامياً من شن حروب تحت عناوين لا يهم ان يثبت كذبها بعد حين، ويدخل شعوب في مهالك الصراعات الاهلية بجريرة شائعة لم يتكبد العقلاء عناء التثبت منها قبل ان يغوصوا بالدماء.
ويخلط المفاهيم ويبدل القيم ويعبث بوحى السماء ليحوله اداة للقتل ونشر الظلم بدلاً عن كونه اداة لصيانة الارواح واقامة العدل.
وهذا الوباء الاعلامي لايمكن مكافحته الا من خلال "النقد"، واستبدال عقل الرواية الذي يمزج الكذب بالصدق والخرافة بالحقيقة ويقدم المعلومات على علتها كحقائق ثابتة، بعقل الدراية الذي يفصل بين الغث والثمين ويتعامل مع المعلومة بحرص وعناية. وبعكس الشائع عن النقد، وكونه عمل سلبي وعدائي يستهدف التشهير بالجوانب السيئة من اي عمل، النقد اساساً عملية ذات وجهين تستهدف الاضاءة على العمل من خلال ذكر محاسنه وسيئاته، ويطرح الاسئلة التي تقوده نحو الكمال.
لهذا يجب ان يكون العمل الاول الذي نفعله عند سماعنا باي خبر حول اي موضوع، او عند رؤية عمل من اي نوع، هو احالته للمحاكمة العقلية، لنتمكن من تذوق الجمال الكامن فيه او تجنب القبح المستتر بين طياته.
برمجة على مدار الساعة!
اهم مايجب ان نحضره في سهراتنا الدائمة امام التلفاز بعد "الريموت كنترول"، او قراءة اي صحيفة بعد فنجان القهوة ... هو العقل. لنتمكن من وقف البرمجة التي تستهدف قولبة اذواقنا لتخدم سلعاً بعينها وسياسات بعينها وطريقة حياة بعينها.
(لاحظوا اني قد اوحيت ان من بديهيات السهر وجود التلفاز! وان من ضرورات قراءة الصحيفة شرب القهوة! وكلاهما سلعتين تعمد الشركات المصدرة الى ضخ الآف الدعايات في ذهن المشاهد او القاريء لجعلها من بديهيات حياته.).
تذكري في المرة القادمة التي تشعلين فيها سيجارة تزامناً مع تدخين بطلك المفضل في فيلم ما، او شعورك بالحاجة الى المرطبات عند رؤيتك احدهم يشربها بنشوة لا توصف، تذكري انهم يبرمجون ذوقك من اجل حفنة من الدولارات، وان السجائر التي يروج لها مثال من امثلة الكمال الصحي والجسدي .. لا يشربها بالاصل ! وان المرطبات التي تقوم بالدعاية لها دمى جميلة نحتت على سرير الجراحة ستقودك الى السمنة وتسوس الاسنان وهشاشة العظام.
وعندما يطل احد السياسيين في موسم الانتخابات ليعدك بتحويل بلدك الى جنات تجرى من تحتها الانهار، بدون ان يقدم لك آلية واضحة ورصينة تعتمد على الارقام والمعطيات الواقعية، وبدون ان يكون قد نجح في السابق في تنفيذ اي من وعوده السابقة، توقفي ملياً وتأمليه جيدا واحفظي قسمات وجهه وعندما تنتهين انقلي الصورة واطبعيها في قسم "هكذا يبدو النصاب" في ذاكرتك، واستعيني بها في المستقبل لتمييز اشقاءه من النصابين الصغار الذين يعرضون عليك "حمية" تجعلك في رشاقة الغزال بدون ان تبذلي جهدا في تنظيم الوجبات الغذائية او ممارسة الرياضة البدنية. وعندما تشاهدين احد رجال الدين يبارك سياسة ارسال الجيوش للقتل، اوعندما تشاهدين آخر يحض على الفرقة والشرذمة تحت مسميات مذهبية وطائفية عاشت بانسجام قبل مولده بالف عام، او عندما تشاهدين ثالث يدخل الرعب الى القلوب بتكفيره لشرائح مليونية من امة محمد (ص) ويدق طبول الحرب عليهم، تأكدي انك تشاهدين افراد ينتمون الى عصابة "لصوص الهيكل" واعضاء محترمين في جمعية "تجار الدين" ووكلاء معتمدين لشركة "الاجير لخدمات التكفير" المتعددة الجنسيات.
مقترحات وقواعد!
هذه بعض المقترحات والقواعد التي قد تفيد، في حمايتك وحماية عائلتك من شرور كثافة المعلومات وقلة الحقائق:
- العودة الى المصدر الاصلي : اذا سمعت عن معلومة غريبة، علمية او دينية او سياسية منسوبة لجهة ما، واردت التفاعل معها تصديقاً او تكذيباً او تشهيراً، اذهبي عبر الانترنت او الهاتف الى الجهة المعنية مباشرة واستفسري عن الموضوع من المصدر الاصلي.
- انظري الى ماقيل لا الى من قال : تقع بعض الشخصيات المحترمة في المجتمع ضحية معلومات خاطئة ومضللة، ويدفعها الحماس الى تردادها قبل التدقيق فيها، وواجبات المستمع ان يستمع الى النص ويحلله بدون التأثر بناقله مهما كان محترماً، فلو قال المحترم الفلاني ان الشمس غائبة، من الحماقة اغماض العين عن سطوعها من اجل عدم تكذيبه.
- لاحظي التوقيت : فجأة تظهر قضية لتشغل الرأي العام وتصبح اولوية الاعلام الذي "يكتشفها" فجأة، وبالتدقيق فيها يظهر ان عمرها عشرات السنين وكانت موجودة بالامس كما هي موجودة اليوم وعلى الارجح ستبقى في الغد ومابعده، فمن الذي "نبش" الذي كان مقبولاً في الامس ليصبح مرفوضاًً في هذا الوقت، ومن الذي حول امان الامس الى خطر اليوم ؟؟؟ لاحظي التوقيت وستميزين بين العاجل المؤجل والآجل الذي اصبح ضرورة من ضروريات الدين فجأة!.
- فتش عن المستفيد : بغض النظر عن قيمة المعلومة واهميتها وصدقها. فتش عن المستفيد من وراءها، تعرف بذلك انت في خدمة من عندما تقوم بتكرارها ونشرها...
... وتذكر انه لو ثبت للعاقل وبالدليل القاطع ان امه شتمت زوجته، لن يقوم بنشر هذه المعلومة المؤذية على الانترنت! كما يفعل بعض الحمقى بنشرهم مواد تدعو للكراهية بين مكونات الامة وبسرور منقطع النظير... وبفعلهم هذا تكون هذه المجموعات قد وضعت نفسها في خدمة عدو الامة، تقاضت على ذلك اجراً او فعلت ذلك بالمجان!!!.
- قاتل ثقافة الكراهية : عندما يحلو لاحدهم ان يحرض على كراهية دين بعينه او جهة بعينها او قومية بعينها، قف وقاتل هذه الثقافة بشراسة، لان الدور سيأتي عليك وستكون انت وعائلتك الهدف التالي. في كل امة ونهج وقومية يوجد الخير والشر، والحب والكراهية، الغلظة والتسامح.
والسماح لمأجورين بالتركيز على مايفرق ولا يجمع سيجعل بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا ساحات معارك لا تنتهي، وسنكون وقود لحرب لامصلحة لنا فيها ولاحاضر ولا مستقبل لنا معها.
معلومات ... معلومات ... كلام ... كلام ... حقائق، وانصاف حقائق، واكاذيب. سيل عارم يجتاح عائلاتنا، والعقل هو السد الحصين الذي يحمينا وعائلاتنا من الانجراف مع التيار في "اوتوستراد" المعلومات الخاطئة المتجه باستقامة ... نحو الهاوية .

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

ياليت كل اخواننا المسلمين و غير المسلمين يسمعون كلامك المطابق فعليا للواقع.

ناصر يقول...

ان شاء الله، بهمتك وهمة آخرون، لن نسمح بتحويلنا الى امة من الجهلة تنعق مع كل ناعق وتميل مع كل ريح.