24 أكتوبر، 2008

مذكرات الظلال ! الحروب المستأجرة.



مهما تحدثت عن الاهمية التي يحملها العراق بنفسه، وجواره، وماضيه، ومستقبله المتوقع، سيكون حديثي اقل من الاهمية الحقيقة التي يحملها هذا البلد العظيم والمظلوم.
لهذا، كنا (...) نعتقد بان الهدف الامريكي الحقيقي، بالرغم من كل الضجيج على افغانستان والمتولد من احداث 11 ايلول، هو العراق حتماً. وان الفصل الافغاني في الملهاة محطة ضرورية لاعتبارات داخلية اولاً، ولاستكمال الانتشار الامريكي المباشر في نقاط الارض الحساسة ثانياً.
كنا مثقلين بالاعباء على جبهتنا الخاصة، وكنا نستشعر تطورات عسكرية، بدأت علاماتها بالظهور تباعاً، على شكل عمل سياسي معادي وغير متناسب مع اللحظة الراهنة، الامر الذي يرجح انه التحضير العاجل لعملية عسكرية مؤجلة تنتظر اكتمال ادواتها.
وكانت الاستعدادات الميدانية على قدم وساق، وعلى نطاق ضخم يتخطى العدو المألوف، احد المسؤولين في جهاز تقدير المخاطر قال: ان مروحة الاحتمالات التي نتجهز لها تشمل حرب اطلسية – اسرائيلية علينا. وكانت وسائل الاعلام بعد نشوة انكسار طالبان السريع بدأت تصف حزب الله بأنه هدف من الاهداف القادمة وانه : The A team عالم الارهاب، بمعنى انه الفريق الارهابي الاول في العالم.

بعد ان طرحت المسألة العراقية نفسها بالحاح، كان هناك وجهتي نظر صادرة عن الهيئات المختصة :
- الشأن العراقي يتولاه اكفاء في المعارضة العراقية وهم معروفون بالعداء للمشروع الامريكي، ومن البديهي ان يكون دورنا الاستماع لوجهة نظرهم، ومساندتهم في أي قرار يتخذونه حول بلدهم .
- شأن العراق اكبر من ان يترك لجهات محلية، وحجم التآمر الدولي على العراق، لا يصد الا بمقاومة من نفس الحجم.
ولم يستطع النقاش ترجيح أي منهما على الاخرى، فتم تشكيل خلية ازمة، مهمتها التوسع في جمع المعلومات وتحليلها، والاتصال بالمعنيين في الشأن العراقي، ورفع توصية لا تخاذ القرار.
وتشكلت الخلية وفور انتهائها من جمع المعلومات وبدأ عمليات الاتصال المباشر وغير المباشر، اصطدمت بالمعطيات التالية :
- رفض قطعي من قوى المعارضة العراقية في الخارج للحديث عن اي تفاهم مع نظام صدام حسين ولوم شديد لنا لمجرد الطرح، الى درجة اتهامنا باننا لا نبالى بعذابات الشعب العراقي ومايعانيه من قتل وتعذيب وتشريد. كانت مرارتهم والمظلومية التي عانوا منها، اكبر من قدرتهم على النظر الى ابعد من سقوط النظام الظالم.
وكانت المعارضة بتشجيع كامل من دول مؤثرة في الخليج قد بدأت تنظم مؤتمرات بين اطيافها لوضوع تصور لعراق مابعد صدام، وعلمنا انها توصلت الى اتفاق على تقاسم السلطة بين مكوناتها العرقية والطائفية والحزبية، قبل ان يسقط النظام باشهر. واخطر مانقل الينا معلومات عن اقامة اقاليم في العراق بصلاحيات واسعة، ومن لحظتها فهمنا ان هذه الحرب ليست امريكية، بل عملية عسكرية مستأجرة لحساب متنفذين في المنطقة يريدون باموالهم ونفوذهم في واشنطون اعادة رسم خارطة محيطهم الحيوي. بحيث لا يبقى هناك تهديد كامن لانظمتهم ولو بعد مائة سنة.
- رفض قطعي من قبل النظام المجرم والغبي نفسه لاي تقارب مع شعبه معتقداً بان الصخب الامريكي ليس الا ابتزازاً للعراق بهدف الحصول على افضلية لشركاته في مجال النفط، فقام النظام العراقي بارسال اشارات ايجابية للدجال الامريكي حول هذا الموضوع ، وعندما لم تنفع الاشارات وبانت له مؤشرات الخطر .قام بتكليف رئيس بيلورسيا بشكل رسمي مهمة ابلاغ الامريكان بانه مستعد لوضع النفط بتصرف شركاتهم وضمن عقود ملزمة ولنصف قرن. واتى الرد الامريكي انهم لا يعتبرونه عدواً ولكنهم مصرون على تنحيه عن السلطة وخروجه مع عائلته من العراق. ولم يفهم الغبي من هذا الرد الا (انهم لا يعتبرونه عدواً) وظن ان الامر لن يتعدى سياسة حافة الهاوية، وعلمنا فيما بعد انه قد ابلغ قناعته هذه لبريماكوف الصديق التاريخي لصدام ووزير الخارجية الروسي الاسبق.
- المعارضة الداخلية لصدام والتي لم يغادر رموزها العراق منذ توليه للسلطة، كانت مراقبة من قبل النظام الامني القاسي ومفجوعة بمقتل عميدها الشهيد آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر، ولم نستطع التواصل معها بشكل جيد، ولكن الاشارات كانت تأتي بانهم مدركون لتكليفهم وانهم لن يستقبلوا الغزاة بالورود، وانهم سيصارعون الامريكان على كل شبر في جنوب العراق وفي بغداد، وخصوصاً ان الشهيد الصدر الثاني، كان قد عبأ قاعدته الشعبية منذ زمن بعيد على العداء للمثلث المشؤوم، امريكا، بريطانيا، اسرائيل.
- بعض دول الخليج الصغرى وغير المتورطة بمشروع اعادة رسم خارطة المنطقة، استكبرت وحقرت كل مسعى لوقف التعاون مع الدجال حول هذا الملف، وفضل بعضها اتباع سياسة (اعلن شيئاً وافعل نقيضه) وقامت دول اخرى باحتفالات اعلامية على الهواء احتفاءاً بالحرب القادمة والتي "ستحرر" المنطقة من جلادها . والانكى ان مافهمناه بدأ بالظهور على شكل دردشات في الصالونات السياسية، وتحدث مسؤولون كبار عن حرب راحة البال، وقوامها التخلص من جار قوي وثري واستبداله بثلاث جيران صغار وضعفاء في جنوب العراق ووسطه وشماله . وايجاد قواعد امريكية ضخمة قادرة على التصدى للنظام الايراني والعمل على اسقاطه عندما تحين ساعته!!!.
- ايران كانت حازمة في بيان موقفها، وخلاصته : انها لو كانت تستطيع دفع هذه الكأس المرة عن المنطقة لفعلت، وان من يجب مطالبتهم بايقاف الحرب على العراق هم اصدقاء الدجال الامريكي لا خصومه، وانها تهيء نفسها لمواجهة كبرى ليقينها بانها هدف الحملة النهائي، وان التموضع الامريكي على حدودها في افغانستان والعراق لا يعنى في نهاية المطاف الا تأمين منصة لمهاجمة ايران من جبهتين، ولكنها لو تخندقت مع صدام لاعلنت دول الخليج ومن معها من دول المنطقة انضمامها العلني والكامل للحرب مع الامريكان، ولحسمت اوربا اعتراضها وترددها وشاركت بجيوشها في المعركة. وفهمنا من تلميحات وتسريبات ايرانية انهم يرون في تحرر العراقيين من صدام والافغان من طالبان فرصة لدخول الشعبين في حرب تحرير ضد الامريكان وحلفاءهم، ستدوم عشر سنوات على الاقل، وستساعد في اعطاء ايران الوقت الكافي لاستكمال استعدادتها. وتبين ان الايرانيين اعطوا ضوءاً اخضر لحلفائهم من العراقيين والافغان بفعل مايرونه مفيداً لمصالح شعبيهما.
- سوريا كانت تستشعر الخطر من اقتراب الدجال من حدودها، وتنظر بريبة الى الاحتفال العربي الرسمي بالحدث ودعوات الانضمام اليه. فعملت سياسياً على منع وقوع الحرب وشرح مخاطرها على المنطقة والعالم، وفي نفس الوقت بدأت بمناقشة وتحضير خيارات ما بعد سقوط النظام.
- تركيا المطلعة على حقيقة المشروع الامريكي، والخريطة التي رسمت لتقسيم العراق، طلبت ضمانات بعدم انشاء دويلة كردية على حدودها، وعندما رفض الامريكان تعديل مشاريعهم، رفضت الموافقة على اعطائهم تسهيلات واسعة، واكتفت بالتسهيلات المعطاة اصلاً بحكم انتماءها الى حلف الاطلسى.
فانتهى البحث عند هذه الحدود، وقدمت خلية الازمة توصياتها، بشكل مختصر وواضح :
- تبعات التدخل بالشأن العراقي ستكون اكتساب عداء المعارضة العراقية في الخارج، والعجز عن فعل أي شيء للمعارضة في الداخل بسبب رهبة العراقيين من النظام الامني.
- النظام العراقي مصر على استعداء شرائح واسعة من شعبه، واسير رهانه على اصلاح علاقاته مع الغرب، ولن يتردد في اجراء أي تسوية تكفل ذلك.
- المحيط العربي (باستثناء سوريا) ينظر للامر كفرصة لا كخطر، ويراهن على قدرته على ملء الفراغ الذي سيخلفه غياب النظام داخل العراق.
- الحل الامثل يتلخص بالاعداد لمرحلة مابعد السقوط، وانتظار التطورات والبناء عليها.

- (........................).

....

....

......
في الحلقة القادمة :
بدأ الحرب
دخول المخابرات الاعرابية الى العراق
تسوية اللحظة الاخيرة تحفظ رأس صدام
ارسال الفريق الخاص الى العراق والاعداد للمواجهة

ليست هناك تعليقات: